خليط مشترك من المباهج والفرح والتحضير لعيد الأضحى يجمع بين طقوس الاحتفال في الماضي والحاضر، وعلى الرغم من اختلاف عيد الأضحى عن الفطر، إلا أن هناك عوامل مشتركة لا يتم الاستغناء عنها بالنسبة للمجتمع الإماراتي، أهمها التلاحم الاجتماعي بين أبناء الحي الواحد، حيث كانت الطيبة والكرم والإيثار والعطاء والشجاعة ونبل الأخلاق من سمات المجتمع.


مشاهد وأساليب احتفالية متنوعة تزخر بها الإمارات احتفاء بعيد الأضحى، حيث تبدأ التحضيرات للعيد بشراء الأضاحي، وجرت العادة في الماضي باهتمام الموسرين بشراء الأضاحي وذبحها في البيوت، مع توزيعها على أهالي المنطقة، إضافة إلى إعداد الوجبات الشعبية مثل «العيش واللحم» و«الهريس» و«الفريد» أو الثريد.


طابع إماراتي

يقول عبدالله محمد مجلاد ، رب أسرة، أن من ابرز ما يميز أجواء عيد الأضحى في زمننا هذا استعداد الأسر في تحضير الوجبات الشعبية وتقديمها على السفرة الممتدة التي لا تخلو من «العيش واللحم» والهريس والفريد باللهجة المحلية (الثريد) وذلك في إطار الحفاظ على الطابع الإماراتي الأصيل وهويته، ففي الماضي كانت ربات البيوت حريصات على القيام بواجبات البيت والاستعداد للعيد من الألف إلى الياء دون الاستعانة بالخدم كما هو الحال في الوقت الراهن.

حيث كانت طباع الناس بسيطة وراضية بالقليل وكانوا يتقاسمون كل شي مع الآخرين، لذا فالحياة في الماضي كانت هانئة بالرغم من شظف العيش، كما كان ترقب حلول الأعياد من الأمور التي يفرح بها الجميع وتنعكس على الصغار والكبار دون تمييز، وكانت الحياة عامرة بالخير والبركة، كما كانت المودة والألفة والمحبة طاغية على العلاقات الاجتماعية فباتت قوية ومترابطة.

ويظهر ذلك في اللقاءات والتزاور التي تكثر في الأعياد، ومن المظاهر التي اعتاد الناس عليها في الماضي الحصول على لحوم الأضاحي من المقتدرين، ولم يكن الجميع قادر على شراء الأضاحي وتوزيعها، وعلى الرغم من ذلك كان الجميع يتنافس في إقامة السفرة التي تتضمن الأرز واللحم بالنسبة للمقتدرين والفواكه والحلويات بالنسبة للبسطاء.

وأضاف أن مراسم الاحتفال بالعيد تبدأ قبل العيد، حيث تصاحب الأيام التي تسبق العيد جلبة وحركة نشطة سواء في البيوت أو الأحياء السكنية والأسواق، فالجميع يستعد لشراء الملابس الجديدة احتفاء بالمناسبة العزيزة على قلوب المسلمين، وتستعد النساء في ليلة العيد بتطييب ملابس الرجال وتحضيرها.

حيث يباشر الجميع بالتوجه لمصلى العيد لأداء الصلاة لتتم بعدها مراسم ذبح الأضاحي، وكان الناس يستعينون برجال الفريج ممن يعرف أصول الذبح، حيث يقوم بالتعاون مع أبناء الحي في ذبح أضاحيهم دون مقابل، إلا أن الحال تطور ودخل الآسيويون الذين يجوبون المناطق للقيام بذبح الأضاحي، حيث تفضل بعض الأسر الاستعانة بهم للقيام بالذبح في البيوت حتى يتسنى للأبناء رؤيتها ليشهدوا بذلك، قائلا إنها من الأمور التي اعتدنا عليها.

حيث كان المجتمع الإماراتي في الماضي محصوراً في بيئة اجتماعية محدودة، لم تكن هناك مقاصب بل كان أهالي المنطقة هم القائمين على كافة أمور الذبح وتوزيع الأضاحي، إضافة إلى إعداد الوجبات، مشدداً على عدم إعطاء القصاب أي شيء من الأضحية دون اتفاق، حيث لا يجوز إعطاؤه أي شيء إلا ما تم الاتفاق عليه من اجر الذبح.

وأشار إلى أن هناك حالات يتشارك فيها أهالي المنطقة لشراء عجل أو بقرة كأضحية، إلا أن الوضع تغير في الوقت الراهن، فبات باستطاعة رب الأسرة شراء بقرة عن أسرة واحدة، وهذا نابع عن الوضع الاجتماعي لكل أسرة.

استعراضات «الطمايش»

وقالت الوالدة لطيفة ريحان، ربة بيت، تسبق التحضيرات لموعد العيد نفسه بفترة طويلة، عادة ما تكون بداية شهر ذي الحجة، فمن الناس من يبادر بشراء الأضاحي ومنهم من يكتفي بشراء لوازم العيد إذا لم يكن مقتدراً، ولكن يشترك الجميع في التجهيز للعيد.

ومن المظاهر الاجتماعية التي طغت على مجتمع الإمارات، الرفاهية التي يحظى بها المواطنون في الوقت الراهن، حيث كانت ربة البيت هي المسؤولة عن إعداد الوجبات والقائمة بكافة مهام المنزل، إلا أن الوضع تغير كثيراً وساهم في تحقيق الرخاء لأبناء الإمارات، فأصبح الخدم هم المسؤولين عن البيت بعكس ربة البيت التي كانت تباشر في تحضير احتياجات العيد لرب الأسرة وأبنائها وتحرص على تطييب ملابسهم استعداد لصلاة العيد التي يليها موعد الزيارات والمرور على بيوت الجيران لأداء تحية العيد وتقديم التهاني قبل التوجه إلى بيوتهم لذبح الأضاحي والاستعداد للزيارات العائلية واستقبال الضيوف من الأهل والأقارب.

مؤكدة أن الأسرة يتعين عليها أكل لحم الأضحية من الثلث الواجب تركه للبيت، مع توزيع الثلث الأخر على الأهل والجيران والفقراء، الأمر الذي يعكس مدى حرص الجميع على المشاركة في لقمة العيش التي لا تتوانى الأسر عن المبادرة بإطعام الجيران قبل أن تتناوله، وعلى الرغم من بساطة الحياة، إلا أنها كانت أجمل من حيث تفضيل الآخرين عن النفس والرضا بالأوضاع البسيطة والقناعة بالأحوال.

تحضيرات مبكرة

وقال الوالد عتيق مسعود إن التحضيرات لاستقبال عيد الأضحى تبدأ قبل حلوله، على اعتبار أن الأسر الإماراتية حريصة على شراء الأضاحي وإطعامها في بيوتهم حتى يحين ذبحها، فبعد صلاة العيد يباشر الأهالي بذبح أضحياتهم وتوزيعها على الأهالي والأقارب والجيران والفقراء والمساكين، ومن المعروف أن لتلك الأيام حميمية وفرحة يشعر بها الجميع، ولا ينام أحد في ليلة العيد لفرحتهم في استقبال العيد والاستعداد لزيارة الأهل والأصدقاء.

وذكر أن المودة والألفة والمحبة كانت طاغية على العلاقات الاجتماعية، حيث تعتبر قوية ومترابطة، الأمر الذي ينعكس على اهتمام الجميع بالسؤال عن الآخرين وتفقد أحوالهم، وتبرز بشكل واضح في الأعياد، حيث يجتمع الناس في المصلى وفي المجالس وفي الأحياء السكنية، والجميع يشهدون على ذبح الأضاحي وتوزيعها، حيث تفضل الأسر توزيع الأجزاء التي يكثر لحمها وطيبها باعتبارها أكثر نفعا للفقراء والمساكين.

وأشار إلى انه لم تكن جميع الأسر في الماضي تضحي إلا المقتدرين الذين كانوا يملكون ثمنها الزائد عن حاجتهم الأصلية وهي من السنة التي حث عليها ديننا الإسلامي، فكان المستطيع هو الذي يضحي، ويتم الذبح في البيوت حيث لا تزال بعض الأسر محافظة على هذا الجانب في وقتنا الراهن من خلال تفضيل رب الأسرة بذبح الأضحية بنفسه في البيت وتوزيعها على الجيران أو الفقراء بعيداً عن التوجه للمقاصب أو الاستعانة بالقصابين، بينما كان الآخرون يحرصون على تنويع المائدة قدر استطاعتهم لحرصهم على استقبال الزوار أفضل استقبال، حيث كانت السفرة تضم أصنافاً معدودة من الفواكه والحلويات الشعبية والتمر.

البيان