مُجرّد تماثيل
مقال خيري منصــور / دار الخليج
نمر بالقرب منها في مختلف عواصم العالم، وقد تلتقط لنا الصور بجوارها . أو تكون عناوين لعقد المواعيد بسبب شهرتها، لكن نادراً ما نتأملها سواء كانت لشعراء وفلاسفة وموسيقيين أو لمحاربين قدماء وأبطال قوميين، لأنها بمرور الوقت تنفصل عن مناسبة إقامتها، تماماً كأسماء الشوارع التي تفرغ من مضامينها، فما من أحد يفكر في ابن خلدون أو افلاطون أو صلاح الدين أو المتنبي إذا سار في شوارع تحمل أسماء هؤلاء الخالدين .
التماثيل تهرم أيضاً ولا تنجو من عوامل التعرية، لكنها تقف صامدة تحت وابل المطر بلا مظلات وتسطع الشمس على أنوفها فلا يسيل العرق، وقد تعاني من الضجر أيضاً كالأشجار، لأنها تقف مكانها محرومة من التجوال ككل الكائنات، وأحياناً لا يقوى تمثال بطل قومي على الدفاع عن نفسه أمام ذبابة تجلس على أنفه، أو غراب ينقر إحدى عينيه، وهناك تماثيل مهجورة تعشش العصافير في آذانها وتحت آباطها الرخامية .
وفي بعض العواصم يتغير رداء التمثال كما لو أنه من البشر، ففي موسكو يصبح معطف بوشكين وسترة ماياكوفسكي بلون ندف الياسمين إذا سقط الثلج عليهما، لكن ما أن يذوب الجليد حتى يعود اللون النحاسي، وإن كان هناك مشهد رومانسي لا ينسى على الإطلاق، وهو ذوبان الثلج في محاجر عيون التماثيل عندما تشرق الشمس فتبدو كأنها تذرف الدموع وتبكي .
وذات يوم تحطم تمثال من الغرانيت وكان الناس يتصورون أنه لرجل أعمى، لأن عينيه مطبقتان وبلا رموش، ثم اتضح بعد تحطمه أن العينين في داخل الرأس، وكان الفنان يريد أن يقول إن هناك من يحدقون طيلة الوقت إلى دواخلهم وليس إلى الخارج . لكن شرط هذا الاكتشاف كان صعباً، وهو سقوط التمثال وتحطمه .
وليس الأبطال والمبدعون جميعاً لهم تماثيل في عواصم العالم، لأن منهم من لا يحتاج إلى برونز أو نحاس أو رخام كي يخلده، فهو ماكث في الذاكرة الوطنية ولا يتعرض لعوامل التعرية ولا يحتاج إلى ترميم، رغم أن عظمه تحول إلى رميم .
لكن أقصر التماثيل عمراً وأدعاها إلى السخرية هي تماثيل الثلج التي ما أن توشك على الاكتمال حتى تبدأ بالذوبان بدءاً من الأنف، وهذا ما عبرت عنه البريطانية مس بل في الحرب العالمية الأولى في الرسائل التي كتبتها لذويها في لندن، وهناك عبارة بالغة الكثافة والرمزية لألبير كامو، فقد علق على تمثال لم يعجبه وكان خالياً من أي نبض لأن النحات صنعه ولم يبدعه، أما عبارته فهي أن هذا النوع من التماثيل لا يخلد الرموز بقدر ما يخلد رداءة المعدن الذي يعلوه الصدأ .
إن بعض التماثيل تكاد تنطق أو تدل السائح الغريب على العنوان الذي يبحث عنه، لكن بالمقابل هناك تماثيل تسيء إلى الرموز التي حاولت تجسيدها، فهي قد تصلح لالتقاط الصور أو أعشاش العصافير، لكنها بلا ظلال، وبلا حفيف تاريخي يشهد على زمن غَبَر، لكنه لا يزال يواصل الإشعاع .
ما أكثرها في شوارع العالم، وما أشهرها أيضاً، فمنها ما هو أشهر من صاحبه لأن كل الناس يعرفون تمثال بوشكين أو السيّاب أو ابن خلدون، لكنهم لم يقرأوا حرفاً لهؤلاء . وهناك تفسير سايكولوجي لهذه الظاهرة يصيبنا بالفزع عندما نعرفه، وهو أن الأمكنة والأشخاص عندما يتحولون إلى أيقونات، فإن هذا التحول يجردهم من نفوذهم التاريخي بحيث يصبحون مجرد أسماء .