|
|
فن المجاهرة بالسؤال
التشكيل العراقي القديم يتجاوز البصري إلى الذهني
بحث الكثيرون في مدى اتساع دائرة التأثير المتبادل بين السياسة والفن، وخصوصاً في مراحل التأسيس الاولى للوعي البشري، اي مرحلتي السومريين والأكاديين، وبمعنى أدق، فإن البحوث كان لا بدّ أن تنطلق من عهد (ميسلم)، أو على أوضح وجه من زمن مدينة (أوروك) في حدود ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد . إذ من العمارة تنطلق التفسيرات الأكثر صواباً، لأن العمارة هي مفردة المدينة، والمدينة هي موطن الآلهة (أنانا) سيدة السماء السومرية . ففي (إأنا) بيت السماء نشأت الإرهاصات الاولى للكتابة المسمارية، كما فكر السومريون بالأختام الاسطوانية التي كانت مخصصة لتوثيق شؤون المعبد .
من هنا قيل أن العمارة السومرية والتي كانت بيتاً للآلهة وللبشر شكلت بداية السؤال المصيري عن الحياة ذاتها، ولكن عبر الفن، حيث انهارت الأساليب المحايدة القديمة، ونشأت أساليب جديدة . يقول عنها الباحثون ومنهم (انطوان مورتكارت)، بأنها أدت الى إعادة بناء العديد من المعابد، وحورت أساليب الفنون بموضوعاتها وأشكالها .
على سبيل المثال سنرى في الفترة الأولى من العصر السومري وحضارته العظيمة كانت الأختام الأسطوانية والأواني النذرية هي المنتج الإبداعي الأول والأوسع، وكانت الأشكال تتكرر كما هي . . . أما في زمن التغيير فقد تمّ إنتاج وإبداع أشياء فنية جديدة كالصولجانات الحجرية التي حفلت برسوم واشارات وكتابات متجانسة . وهنا عبر هذه الصياغات الفنية بدأت أولى عمليات التوثيق الإبداعي في تاريخ البشرية، حيث وضع اسم الملك (ميسلم) ملك كيش، كما أن أشكال الصحون او الاواني النذرية أخذت صفة جديدة هي حالة التربيع بدلاً من الاستدارة . وهنا بداية الذهاب صوب التجريد . ذلك أن النذر المقدم للآلهة يفترض أن يقدم بوعاء لابشري . وغير متداول أو اعتيادي .
التطور الأهم تمثل في تلك التميمة التي عثر عليها في منطقة (خفاجي) . وهي على هيئة نسر برأس أسد . وقد أُنتجت في زمن الوعي الإبداعي السومري، وهي منحوتة من حجر (الاردواز)، وقد جاء نحتها تسطيحياً، اي أنها ليست شكلاً بارليافياً كاملاً . إنها تشي ببعد المتخيّل لا المحسوس ملمسياً وبصرياً، فماذا يعني ذلك من الناحية الرمزية؟!
إن هذه التميمة المنحوتة هي أول حوار بين اثنين مندمجين شكلياً، وهما الفكر الأرضي المتمثل برأس الأسد رمز القوة، والهجومية والقيادة، وجسد النسر الكائن السمائي الذي يتمثل في الهيمنة على المدى السماوي . وهذا الحوار في هذه العصور السومرية المتقدمة، هو اختراع فني صافٍ وجريء . يتقدم بشكل (تميمة) همها الوقائي يسعى إلى إبعاد أي تأثير جانبي على دائرة السحر المتمثلة (بالتميمة) . أما الشكل المسطح لها، فهو مسعى لتمييزها عن اي نحت (بارليافي) نافر يحتوي على مفردات كتابية . سيما وأن الجانب التجريدي من الكتابة المسمارية لم يكن قد اكتمل كلياً في تلك المرحلة . ولم تزل هناك بقايا من كتابات تصويرية في بعض المفردات . إذن انطلاقة الإرهاصات الاولى للفن العراقي القديم كانت فتح باب الحوار بين الإنسان وألهته .
ويتعزز هذا الحوار في منحوتة حفرت بطريقة الحفر على الحجر، وهي لرجل يرتدي (إيزاراً) مشبكاً، والقسم الأعلى من جسده عار لكن لبدة كثيفة من الشعر تتدلى من خلفية رقبته، والرجل واقف وهو يرفع يده اليسرى بالتحية أمام صولجانين، رمزيين، وقد ذكر اسم الالهة (ننكرسو) في النص الكتابي .
اعتبر الباحث والخبير بالسومريات الفرنسي (تورو دانجان) بأن الكتابة الموجودة هي واحدة من أقدم الكتابات البشرية، حيث استطاع الإنسان السومري عبر فنانيه المبدعين ان يخترع اول (مسلة) يدوّن عليها شروط العلاقة بين الإنسان والآلهة .
الغريب أن الفنون السومرية لم تسمّ يوماً الآلهة السومرية بالخالقة . فمسألة الخلق كانت لدى السومريين منوطة بآلهة أعلى شأناً وأكثر إبهاماً .
لكن مع بزوغ العصر الاكدي، ومجيء عهد (سرجون الاكدي) الذي خلف إمبراطورية أكدية عظمى، حيث احتلّ العرش من بعده ابنه (بانشتوسو) الذي حكم ما بين 2269-2255 ق .م .، وقد امتد نفوذه الى منطقة الخليج العربي فأخضع ملوكها البالغ عددهم (32) ملكاً، وسيطر على مناجم الفضة والأحجار القديمة .
فسرجون الآكادي والذي معنى اسمه (الملك الصادق) وعبر سلالة حكمه التي حكمت 150 عاماً، أوجد نظرية الفن المتحرك لا الجامد . وهو الذي طرح فكرة أن الموجود يمثل حالة تغيير متواصل وتطور دائم، وبمعنى تطبيقي على مستوى الفن، فإن النتاجات الإبداعية خرجت من حالتها الجامدة الى مدى حيوي متحرك آخر فتح أمام الفنان حرية التكوين والحدوث .
لقد أدى ذلك الى إيجاد مفاهيم جديدة ومتطورة للحكم . وللعمارة وللحياة بشكلها الأشمل . وهنا بدأ الفنان الاكادي يشتغل بشكل مباشر على موضوع الإنسان، الذي تأكد حضوره كقوة منتصرة وقائدة على المستويين البشري والميتافيزيقي .
هنا البداية، وهنا التحدي الذي سيبلغ ذروته في العصور الأكدية، أي زمن الآلهة (عشتار)، التي أصبح أمر تحديها واجباً إنسانياً لإطلاق عملية التطور عبر السؤال أولاً . وكان هذا السؤال يقوم على (اللماذا)، بمعنى لماذا تحدد الآلهة وظائف ومصائر القادة الأرضيين؟ ولماذا تمنحهم مساحات صغيرة للسيطرة والنفوذ .
أراد الملك الاشوري الأشهر (شمش أور) الاول 1753-1721 ق .م . أن يمارس التحدي، فوسع امبراطوريته التي وصلت الى مناطق شمال العراق برمته، وامتدت الى سوريا ولبنان، وقد عثر على مدوناته الحجرية التي تثبت سيطرته على هذه المناطق حتى داخل منطقة (رانيا) التركية .
إن الكينونة الإنسانية في الفنون العراقية القديمة، هي نهضة الإنسان المستغرق في كدسة من الأسئلة، حيث يصل شاعر (أكادي) إلى مستوى القول: أن ما ينتجه هذا الفنان النحات ليس تماثلاً مع شخصيات محدودة، بل هي أشكال تتسع بالمطلق (وهي التي تعيننننا على أن نحدق في عيني أمير متحدر من بيت سرجون البطولي الحاكم الذي حوّل الثقافة السومرية طبقاً لعبقريته الخاصة)- النص هنا لمورتكارت .
إن مسلة (نرام- سِن) الأكدية التي دوّنت انتصاره على الايرانيين من قبيلة (لوللبي)، تعتبر نصاً نحتياً يتجاوز البصري إلى الذهني، ويتحاور مع البشر قاطبة، الأعداء والأصدقاء، تاركاً للمنتصر وحده المقدرة على تحديد ورسم صورة ما يسعى الى إنتاجه . وهنا يربط النص الكتابي الانتصاري الحياتي بالعمل المستقبلي، فاتحاً أمام الكائن العراقي القديم قدرة فائقة على الانطلاق بحثاً عن الجواب المصيري . وربما لهذا السبب انطلق ذلك البطل العراقي القديم (جلجامش) باحثاً عن السؤال اللغز المتعلق بالخلود . ورفض الموت، حتى وجد الجواب قائماً في كلمة واحدة اسمها (العمل) او السعي لتحصين وتطوير الحياة الإنسانية، لذلك عاد الى مدينته (اوروك) ورفع أسوارها وعزّز أبوابها، وجعل من شعبها شعباً يتجرأ على المجاهرة بالسؤال .
إن الفن القديم، وكأول فن بشري على وجه الخليقة، حمل الدوافع للابتكار كبذرة كامنة في ذاته، ودفع بالفنان المبدع لأن ينطلق من الوصفي الى التأسيسي، ولهذه الاسباب رأينا بأن نتابع السلالات والإمبراطوريات، ونمو النظريات وتطبيقات المدن . وتركيب الجيوش، وكذلك اتساع التدوين والكتابة . كلها كانت مواصفات رافدينية تشير الى أن الاستمرار هو القاعدة، والجمود هو الاستثناء .