

سطر أهل الخليج أهم محطات مسيرتهم على رمال الشاطئ ودونوها فوق صفحة البحر الزرقاء؛ فأدمنوا قراءتها وعشقها الصغار قبل الكبار، وعرف الجميع لغة البحر، وفهموا فن الإبحار وقيادة السفن، ووصلوا إلى مغاصات اللؤلؤ، واستمعوا لصوت النهام، وأدركوا إيقاع الموج؛ فشكلت هذه الأبعاد تراكما حضاريا وثقافيا عبر الأجيال سيبقى خالدا، حيث ان تراث الخليج ينهل جل مواضيعه ومعانيه من أسلوب حياة أهل البر وحياة أهل البحر على الساحل وعلاقتهم بالبحر.
[IMG]http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?blobcol=urllowres&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey= id&blobtable=CImage&blobwhere=1288543841786&cachecontrol=0%2 C4%2C12%2C16%2C20%3A00%3A00+*%2F*%2F*&ssbinary=true[/IMG]
وأن البحر كان في ذلك الوقت المقصد الذي يلجأون إليه لجلب قوتهم وقوت أبنائهم فترى الشاطئ الرملي المطل على البحر مباشرة يكتظ بأهل البحر، وكانوا عبارة عن بحارة السفر، وهم الذين يعملون على السفن التجارية الكبيرة. والتي كانت تجوب البحار والمحيطات بهدف الاتجار ونقل البضائع والتبادل التجاري مع البصرة والهند والساحل الشرقي لإفريقيا، والقسم الآخر هم الغاصة الذين يقومون برحلات الغوص في فصل الصيف أو الصيادون الذين يقومون بالرحلات اليومية لصيد الأسماك في فصل الشتاء حيث نتج عن هذه العلاقة موروث غنائي شعبي أصيل توارثته الأجيال على الرغم من تعدد ألحانه وتباينها بين ما يناسب الشاطئ والخور وزرقة البحر الممتدة بلا حدود أو بين الإبحار والعودة.
ولم تفلح لغة العولمة في طمس بقايا صور لاتزال عالقة في ذاكرة أبناء الخليج والاجداد غنوا الهولو واليامال وقضوا شهورا واعواما وهم يبحرون على ظهر السفن لطلب الرزق وعرفوا مسارات واتجاهات البحر منذ القدم.
جماليات لغوية
النهام كان يطرب بكلام جميل فيه الكثير من الجماليات اللغوية والحكمة، وأشجان الغربة لشهور في عرض البحر ومقارعة الأمواج والعواصف والعمل الشاق والشلات هي من أغاني البحر وتمتاز بالغناء الجماعي وهي عادة تتألف من بيتين أو ثلاثة أبيات شعرية لها لازمة ثابتة.
وتغنى عادة أثناء العمل سواء نقل الأمتعة إلى داخل السفينة أو تحريك السفينة، وعندما يخوض البحارة بالرمال يغنون هذا النوع من الشلات، خصوصا أثناء أداء العمل للمساعدة وبث روح التعاون، وأن من أهم الشلات شلات غناء التليين، حيث ينشد النهام والبحارة أثناء هذه العملية «يابحر رد في بحورك.. يابحر يكفينا شرورك»، ويتبع ذلك شلات الكلفات وشلات الحمول والنازل تستهوي.
وتشد سمع الإنسان بسهولة نوع من الغناء يؤديه البحارة أثناء رفع البضائع على ظهر السفن، ويدور حول اشتياق البحارة إلى السفر والدعاء إلى الله، سبحانه وتعالى، أن يكتب لهم السلامة في سفرتهم المقبلة والتشوق إلى أصدقائهم وأحبائهم في الموانئ، التي يزمعون السفر إليها، وشلة النازل غناء يؤدى أثناء إنزال البضائع من على ظهر السفينة، ويدور أغلبه حول الشكر لله، سبحانه وتعالى، على سلامة الوصول إلى الشاطئ، وما مر بهم من مخاطر وأحداث، وما يتوقعون أن يلقوه من ترحيب من أهل البلاد التي وصلوا إليها.
ومثلما كان يبحث النوخذا، وينتقي بحارته الاشداء وغواصيه المهرة وبقية افراد طاقم سفينته، كان يختار النهام الاصدح صوتا واشجى نهمة واثارة للبحارة وهمتهم، ومن ثم يكون لأغلب السفن (سفن الغوص على اللؤلؤ، وسفن السفر للنقل البحري) ان لم نقل كل السفن?? نهام، ويتنافس بعض النواخذة على النهامة الممتازين، فتجدهم يكرمونهم ويحسنون معاملتهم فيكون للنهام في سفينة السفر سهم وربع السهم فيما يكون للبحار سهم واحد فقط هكذا يحدثنا اهل البحر
فما النهام وما النهمة؟
النهمة وجذورها
يدعى الطرب البحري النهمة بتشديد النون وتسكين الهاء، ويسمى المطرب البحري النهام؛ فالنهمة فن من فنون البحر، ويقول ابن منظور في لسان العرب ان النهمة بلوغ الهمة النهم ينهم بالكسر نهيما وهو صوت كأنه زجير وقيل هو صوت فوق الزئير والنهام الاسد لصوته والناهم الصارخ ونهمت الابل انهمتها بالفتح نهما ونهما بكسر الهاء، اذ زجرتها لتجد في سيرها والنهام من الابل التي تطيع على النهم وهو الزجر والنهم.
انتهى كلام ابن منظور ليكشف لنا معنى النهمة القريب من الحداء؛ والحداء معروف عند العرب منذ القديم، وهو الغناء للابل كي تجدَّ في سيرها، وكلما كان الحادي عذب الصوت سارت الابل سيرا حثيثا، فهل كانت نهمة البحر مشتقة من النهم - اي زجر الابل، لتجد في سيرها؟
فالحداء لحث الابل على السير، والنهمة لحث البحارة على العمل، ولها تأثير كبير عليهم، فتراهم ينجزون اعمالهم الشاقة بهمة ونشاط غير مبالين بالتعب وعناء البحر لاسيما اذا كان النهام ذا صوت جميل، ومعروف ان للغناء تأثيرا كبيرا على الانسان ووجدانه وحالته النفسية من انشراح وحبور يصل حد الطرب الذي اصبح اسما للغناء بعد ان كان حالة وجدانية نفسية، وبهذا تكون النهمة نوعا من اغاني العمل، حسب تقسيمات باحثي الفلكلور والفنون الشعبية.
ويشير بعض الباحثين الى ان الشعر الذي يغني به النهامة على نوعين هما: الزهيري - او الموال - والمواليا الذي يسمونه اميلي كما يذكر سيف مرزوق الشملان في كتابه عن تاريخ الغوص على اللؤلؤ فيما نعرف ان الزهيري هو الموال الذي اخذ اسمه من المواليا.
وفي نشأته أخبار وآراء كثيرة يعود بعضها الى نكبة البرامكة، مما لا يتسع المجال لذكره في هذا الحيز، ولربما كانت لفظة يا مال مأخوذة من اختصار يا مواليا، فيقولون يا مال يا مال او هوب يا مال ثم يشرعون في غناء القصيدة.
ويشير الباحث عبدالعزيز المسلم مدير ادارة التراث بدائرة الثقافة والاعلام في الشارقة الى احتفال الدائرة نهاية سبتمبر الماضي بيوم الراوي الذي كرسته للاحتفاء بآخر نهام في الامارات، جمعة فيروز (بوسماح) فيذكر عنه: انه تعلم النهمة منذ الصغر على يد شخص مميز في هذا المجال يدعى سعيد البردان، ليصبح واحدا من اهم النهامين في الامارات، حيث تنافس النواخذة على استقدامه للعمل معهم، لما يملك من امكانيات صوتية وحافظة قوية للكثير من مواويل البحر.
ويقول المسلّم: عمل بوسماح فترة من الزمن (نوخذا) ومع انتهاء زمن الغوص، كرس حياته للفن الشعبي حيث كان احد مؤسسي جمعية الشارقة للفنون الشعبية، وخصص بيته مقرا لها قبل اشهارها رسميا من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ويضيف: ولد بوسماح (على وجه التقريب لا التحديد) العام 1917م وتوفي العام 1995م، مؤكدا ان ادارة التراث بصدد طباعة كتاب عن آخر نهامي الامارات.
ويورد سيف الشملان حكاية عن حادثة وقعت لاحد البحار خلال رحلة غوص على اللؤلؤ، حيث اخذ النهام ينهم زهيريات، ومع طول التجديف اخذت الحماسة البحارة على وقع نهمة النهام وكان اشدهم احد البحارة حيث قفز الى الاعلى وهبط بقوة ضاربا سطح السفينة بقدمه اليمنى فخرق الخشب السميك دون ان يدري.
وفي غمرة حماسته استل قدمه الممزقة بقوة وواصل العمل حتى نبهه البحارة الى الدماء الغزيرة النازفة من جرحه العميق! وهكذا يتبين لنا مدى الحماسة التي تستولي على انفس البحارة، والنشوة التي تثيرها فيهم نهمات النهامين المجيدين.