قراءة في ديوان«دوائر الجنون» لعبد الكريم أبو الشيح
نضال القاسم
* الدستــور الاردنيــة
إن للتجريب الشعري ، شكلاً ومضموناً ، أهميةً كبيرة في الإبداع المتميز المتنامي والمعاصر ، وما من شاعر عظيم ، أو روائي عظيم ، إلا وقد أضاف ـ من خلال التجريب ـ بعداً جديداً إلى الفن الشعري والروائي ، وأثبت انه غير خاضع ، وغير مستسلم لكل المواصفات السائدة والمألوفة. فالتجريب ، إذن ، ومحاولة الإضافة نزعة صحية ، وضرورية ، في كل فنان أصيل ، وفي كل كاتب موهوب ، وفي كل شاعر يريد أن يضيف إلى التراث ولا يكرره ، أو يقلده.
وإن مهمة الرؤية الحديثة إحداث الجديد ، في الأنظمة القوالبية الموروثة: في الشكل الشعري ، وفي القافية ، وفي الوزن ، وفي الموسيقى ، وبالتالي في المضمون نفسه ، ولها دورها في تشكيل شعر جديد خصب ومتنام ، من أهم ميزاته أنه لا يخضع للتحقيب التاريخي ، والتأطير الزمني ، على اعتباره شعراً منفتحاً على كل أشكال التطور الاقتصادي والثقافي والاجتماعي ، وعلى كل الزوايا المضيئة في كل العصور.
ولصوت عبد الكريم أبو الشيح ، في الشعر الأردني المعاصر ، خصوصية قائمة على حشد عناصر الحياة ، واليومي العابر والثابت. يحشد العناصر ويرعاها ، ويلعب بها ويتداخل كأنّه منها وكأنّها منه. وهو يؤثّث عالمه الشعري بحذق إبداعي يتوخّى ـ في البدء ، والمنتهى ـ الاحتفاء بالذات وأسئلتها ومواجعها وانتظاراتها.
وتندرج قصائد عبد الكريم أبو الشيح ضمن خطاب الشعر الحر ، وترتكز تجربته ـ في ظاهرها ـ على البعد الإيقاعي المباشر للكلمات ، في قصيدة التفعيلة ، لكنه لم يتمترس خلف هذا البعد ، فجعله يتحول ، في مجموعته الأخيرة ، "دوائر الجنون" ، إلى مظهر هامشي ينسحب ، تدريجياً ، ليدع الصورة الشعرية ـ بالتماعاتها الذكية ـ تحتل متن القصيدة.
وقد تميز عبد الكريم أبو الشيح ، في هذا الصدد ، لما امتاز به من وعي سياسي وثقافي جعله يساهم في إرساء المشروع الشعري الحديث ، في الأردن ، والذي يطغى ، حالياً ، على الساحة الشعرية ، والمتوجه ، أكثرَ ، نحو التخييل وتجاوز كل الأنماط السائدة. فهو لا يتبع خطى شعراء يستعينون بأكداس الأشياء ليبنوا قصائدهم ، بل يفضّل توظيف هذه الأكداس في مجال حكائي مضمر: في دراما تشكّل عصب قصيدته ، وقد تعلو نبرته ، أحياناً ، لتشكّل سرداً صريحاً ولكن متوتراً وعصبياً.
وتقدم هذه الدراسة قراءة جمالية في تجربةْ شديدة الخصوصية للشاعر عبد الكريم أبو الشيح ، عبر "دوائر الجنون" ، الصادرة ضمن سلسلة إصدارات إربد مدينة الثقافة الأردنية لعام 2007 ، محتوية 11 قصيدة ، وهي مجموعة تشكل منعطفاً لافتاً في مدونة عبد الكريم أبو الشيح الشعرية ، وذلك في محاولة جادة لاكتشافً أنساق متعددة من التشابه والتناقض والتنافر والتجاذب ، حيث تمتزج رؤى الشاعر الراهنة بأناشيد ذاكرته القصوى ، وبظلال مخيلته ، على نحو بديع يعرف كيف يفيد ، برشاقة ، من الإيقاع والتفعيلة ، من دون أن يرهقا قصائده.
ولا بد من الإشارة ، بدايةً ، إلى أن قصائد هذه المجموعة التي وقعت في حوالي 110 صفحات ، من القطع المتوسط ، وظهرت بغلاف من تصميم الفنان يوسف الصرايرة ، لم تتقاطع ، تماماً ، في أشكالها ومضامينها ، مع قصائد مجموعات الشاعر السابقة ، لكنها شفّت عن تطور ملحوظ ، في رؤاه وأدواته الفنية ، وأكدت رهافة حسه الإبداعي. ففي قصيدة: "دوائر الجنون" ، نلحظ ـ بوضوح ـ قدرة الشاعر على التعبير عن تجربة شعرية تهتم ببنية القصيدة ، وشكلها ، ووحدتها العضوية والتصورية والشعورية النامية ، التي تكتسب دلالاتها العميقة من خلال التأملات النفسية والشعورية والعاطفية والروحية ، التي بثها الشاعر في مفاصل القصيدة ، لتفجير طاقاتها الشعرية من خلال البنية التخييلية للقصيدة. وقد قسم الشاعر قصيدته إلى عشرة مقاطع تعتمد الومضة الشعرية الساحرة ، والإيقاع العاطفي المثير. فها هو الشاعر يعلن ـ في المقطع السابع ، من القصيدة ـ أن الشعر مغامرة:
"والشعر ، في فضائه ،
مجاوزّ لذاته بذاتهً...
وإنّهُ
مُغامرَةّ...
غزالةّ ترعى الندى على أكفًّ غيمةْ مسافرةْ."
وتحيلنا أولى عتبات المجموعة إلى انشغال الشاعر ، عبد الكريم أبو الشيح ، في تطوير أدواته الفنية ، وتدلّنا هذه العتبة ، على تقصد الشاعر البحث في الشكل الإيقاعي ، الذي كان بدأه في مجموعته ، "إياك أعني" (2003) ، في سياق تجريبي شمل محاولات نثرية ، وتوليد أوزان خاصة به ، فضلاً عن إفادته من التراث العربي ، والميثولوجيا الإغريقية ، والبيان والبديع العربيين ، من دون التخلي عن غنائيته. فهو يرى أن الشعر الصادق يفجّرُ السكون ، ويصل تأثيره إلى أبعد مدى ممكن ، في المكان والزمان:
"وإنّهُ الإيقاعُ ، إذْ يفجّرُ السكونَ ، في
قرارةً النواةً ، راسماً
أشكالَهُ
تنداح ، في دوائرً الجنونً:
فاتحاً
شًعابَهُ ،
إلى محيط الدائرةْ ،
والشعرُ ليسَ فيهً غيرُ الشعرً: إنّهُ
مرآتُهُ ،
وذاتُهُ..
تلكَ التي في ذاتًهً غائرةْ."
وبدءاً نلاحظ أن الشاعر احتفظ ، في عدد من قصائد هذه المجموعة ، بطريقة بناء ، تقوم على الفكرة الجريئة ، والمفارقة ، والقفلة الصادمة ، مع تميّزه بروح طفولية عذبة ، وغنائية جاذبة ، وسرد رشيق:
"حنينّ إلى الائتلافْ ،
وعصفورةّ تغزلُ العطر فوق الجناحْ
فضاءً لذاتكَ تلك التي في سواكْ
تبدّتْ على رجفةْ من ضياءْ
مساحة توقْ
على زقزقاتْ تلمُّ إليها
سواقي الصباح".
وفضلاً عن حرصه على الوزن والقافية ، بوصفهما عنصرين أساسيين لشكل القصيدة الإيقاعي ، فقد برع أبو الشيح في توظيف أنواع البديع ، التي لا تتحقق شعرية نص ، أياً كان شكله ، من دونها ، مثل: الاستعارة ، والتشبيه ، والجناس الناقص والتام والمضاف ، والتصحيف ، والمطابقة ، فضلاً عن الموازنة بين موسيقا المفردات وتسجيعها. كما حافظ الشاعر على ما عرفناه ، في مجموعاته السابقة ، من استخدام لتقنيات المونولوج والحوار ، والسخرية السوداء التي تفتقت ـ في هذه المجموعة ـ عن نصوص فريدة ، في متانة بنائها ، وطرافه فكرتها ، ورشاقة سبكها ، ونبل دلالتها ، مثل قصيدتيْ: "في البدء كنتُ... وها أنا" ، و"تَعالُق".
ولأنه شاعر مطبوع ، وذو خبرة ومهارات عالية ، يتدفق نصه سلساً لا تظهر فيه الصنعة إلا نادراً ، مستخدماً ـ بحذق ـ كل ما تراكم من تقنيات قصيدة التفعيلة الإيقاعية ، ومضيفاً إليها ، مع احتفاظه بوحدتها العضوية. وتحيلنا بعض قصائد المجموعة ، من مثل: "العشق" ، و"هي" ، و"قهوة" ، إلى فاعلية التقنيات والبنية الأسلوبية التراثية والمعاصرة ، التي استثمرها الشاعر من أجل بعثه عوالم شعرية جديدة ، تتجلَّى فيها مختلف الدلالات والسمات الرؤيوية ، والثيمية التي تعبًّر عن تعالق الأبنية الدلالية مع المستويات اللغوية ، فيها ، بما تحمل من ائتلاف وتشاكل وتباين في صيغ الرمز ، ومن امتلاك لحيوية اللغة ، وسياقاتها الشعرية ، حينما تبلغ ذروتها الأدائية والتعبيرية:
"ومرةً شربتُ قهوةَ الصباحً في المساءْ ،
لمْ يختلًفْ
عليَّ لونُها ، بما
يُثيرُ شُبهةً ، بها..
لمْ يختلفْ
عليَّ طعمُها ، ولا شتبه
بما يَشي
بأنَّها حَوتْ
لوناً وماء".
أما على المستوى اللغوي ، فيعيد الشاعر تشكيل اللغة من جديد ، لتصبح ـ على المستوى الرمزي ـ كائناً آخر لا علاقة للواقع به. إنه ـ على الأقل ، بارتكازاته الرمزية ـ يعيد صوغ أحلامنا الفيزيائية والسرّية ، المتشكلة من الوعي الجمالي المعرفي ، للذات والكون. فعلاقات الملامح اللغوية ، التي تتضمنها قصائده ، متشابكة في ما بينها ، وذات درجة عالية من التراتب والتعالق ، وهي علاقات ذات طابع إيقاعي وصوتي ، تؤسس لأعراف النظم والإيقاع ، من جانب ، وذات طابع مرتبط بالأبنية الدلالية والمجازية ، وسمات انحرافيَّة ، أو تكرارية ، من جانب آخر ، وهي تمارس وظائفها بشكل مرهف دقيق ، مرتكز على قوانين الشعرية الجديدة ، وفاعليتها ، وقدراتها على الإيحاء بمدلولاتها النصية واللفظية ، كما تبدى لنا ذلك في قصيدته ، "دوائر الجنون" ، فنحن بإزاء بنية تركيبية بسيطة ، تتمثل قدراتها على التوارد الدلالي ، الذي يتسم بالتعدد والاحتمالات ، ويفضي إلى الوحدة ، ويؤدي إلى تشعير السياق المتوازي من خلال البنية التعبيرية.
هكذا ، استطاع عبد الكريم أبو الشيح أن يجعل لنصوصه خصوصية تميّزها عن التقنيات الشعرية الأخرى ، من خلال بنية القصيدة الدلالية ، والإيحائية ، والبنائية ، والتشكيلية ، والتركيبية ، التي تمتاز بها قصائده ، عن غيرها ، من القصائد الحداثية الأ لبيبي