|
|
شهدت مجتمعات الخليج عامة منذ ظهور النفط متغيرات فكرية وقيمية أثرت ليس فقط على فكر الإنسان وسلوكه بل ونظرته للحياة وتعامله مع الأمور والقضايا التنموية الكبرى. ففي حين حازت مشاريع البنية التحتية والمشاريع الاقتصادية على اهتمام واسع ومتنام من قبل صناع القرار حتى غدت في وقت قصير من أهم انجازات دول الخليج، لم تحظ قضية تأهيل العنصر البشري وإحلاله بنفس الاهتمام، الا بعد مضي فترة غير قصيرة على ظهور وتشكل مجتمعات الخليج الحديثة.
فلا غرو، فقد كانت مجتمعات الخليج في بداية تشكلها السياسي الحديث في سباق مع الزمن لتعويض الفترة التي مرت والتي كانت فيها تفتقد إلى بنية تحتية حديثة وخدمات متطورة واستثمارات اقتصادية توفر لها دخلا آخر إلى جانب النفط، لذا لم تستطع الانتظار حتى تؤهل عناصرها البشرية التأهيل الكافي فاعتمدت على عناصر بشرية قادمة من الخارج امتلكت آنذاك ما لم تمتلكه الكثير من العمالة المواطنة.
وما انقضت إلا فترة زمنية بسيطة حتى قفزت دول الخليج إلى المسرح العالمي بقوة معتمدة على سجل انجازاتها التنموية التي حققتها في فترة قياسية، ولكن تلك الانجازات أثارت العديد من التساؤلات وطرحت الكثير من الأسئلة المتعلقة بالعنصر البشري.
فقد ظل بريق الخليج، إن صح التعبير، يجذب ملايين أخرى من العمالة الأجنبية التي جاءت من كل حدب وصوب لتوفر لدول الخليج عمالة مدربة وجاهزة عوضتها عن قلة العنصر البشري أحيانا وعن عدم وجود التأهيل المناسب عند العنصر المواطن أحيانا أخرى، ويمكن أن يكون هذا العامل ما أخر دول الخليج قليلا عن البدء في برامجها التأهيلية في مجال التنمية البشرية، وهو الأمر الذي أدخل دول الخليج ليس فقط في دوامة التغييرات المادية بل والقيمية أيضا.
ويمكن أن يكون العنصر البشري المحلي هو أكثر من تأثر بعملية التغيير تلك، كون البشر على الدوام العنصر الأقل مناعة والأكثر تأثرا بكل ما يدور حولهم بل وبكل متغير حياتي، سواء كان هذا المتغير ماديا أو معنويا. ولذا فإن دولة الإمارات، مثلا، بذلت جهودا حثيثة للارتقاء بالعنصر البشري من حيث التأهيل والتدريب والإدماج وقد انعكس هذا الاهتمام في إنشاء هيئات وأقسام للتنمية البشرية في أغلب المؤسسات والدوائر الحكومية والخاصة حتى أصبح قسم «الموارد البشرية» من أهم الأقسام في كل هيئة ودائرة.
ولا ريب أن هذا الاهتمام يعكس جانبين: الأول هو الأهمية التي يجب أن تمنح لتأهيل العنصر البشري وتدريبه، والثاني هو ما يمثله هذا العنصر من استثمار مستقبلي طويل الأجل لكل مؤسسة أو دائرة. وتحتل التنمية البشرية حيزا مهما في خطط واستراتيجيات الدولة سواء الماضية أو الراهنة، حيث تدرك الدولة بأن تأهيل العنصر المحلي وتدريبه هو الضمان الأكيد للمستقبل وبه يتعلق حل العديد من القضايا الشائكة والراكدة ومنها معضلة التركيبة السكانية والهوية وغيرها من القضايا المرتبطة بها.
ولكن ما تبذله الدولة في هذا المجال لا يزال قليلا مقارنة بالجهد الذي تبذله في المجال إقامة المشاريع الاقتصادية مثلا أو الإنفاق على بعض مشروعات البنية التحتية المستقبلية والتي أسست في الغالب لخدمة وتسهيل أمور البشر، كما أن هذا الاهتمام لا يرقى إلى مستوى الأهمية المعطاة لأوجه التنمية الأخرى.
لقد دفع هذا التوجه أن يطلق البعض على ما يحصل عندنا بتعبير «طغيان ثقافة الاسمنت» على غيرها من الثقافات، والمقصود هنا بالطبع أن ثقافة البناء والتشييد قد أخذت أولوية مبالغا فيها، الأمر الذي أدى إلى طغيانها على غيرها من الأفكار والرؤى. «ثقافة الاسمنت» ان صح التعبير هي ليست بثقافة ذات مردود قوي على المجتمع، كما أن ديمومتها لن يفيد المجتمع بشيء. فمما لا شك فيه أن التوجه نحو العنصر البشري وإيلائه الاهتمام الأول والمناسب هو الشيء الوحيد الباقي والدائم، وهو الاستثمار الأمثل ذو المردود الثابت والأكيد على مر الزمن.
وعلى الرغم من الجهد البارز الذي بدأت تبذله الدولة ومؤسسات المجتمع الأخرى للتغلب على هذه القضية إلا أننا نحتاج إلى اتخاذ خطوات أخرى للسير قدما وبعزم نحو تأهيل وتدريب، بل وحماية مواردنا البشرية والارتقاء بها، فضلا عن حمايتها كمورد وطني طبيعي. كما أن التعاون المجتمعي في هذا الشأن يعد خطوة مهمة لجمع الجهود وتطويعها للارتقاء بالعنصر البشري في القطاعين العام والخاص.
هناك ثلاثة قضايا يمكنها الحفاظ على مواردنا البشرية وترشيد استغلالها. فمثلا لدينا الآلاف من الشركات العاملة في القطاع الخاص والتي تعمل وتستفيد من الخدمات والتسهيلات الجمة التي تقدمها لها الدولة وتستفيد من أسواقنا كسوق رائجة لمنتجاتها. فماذا لو خصصت هذه الشركات جزءا من أرباحها السنوية لصالح صندوق مخصص لتأهيل الشباب أو مساعدتهم، كونه يعمل كحاضنة لمساعدة الشباب في البدء بمشاريعهم الخاصة، بحيث لا يظلون يعتمدون كليا على الدولة.
القضية الثانية هي الاهتمام الإعلامي بقضايا التنمية البشرية بحيث يكون اهتماما لا يعكس فحسب توجهات الدولة واهتمامها بالعنصر البشري بل ويعكس الاتجاهات الحديثة في المجتمعات النامية عن طريق ترسيخ قيم العمل والمواطنة وغيرها من القيم الإيجابية وبحيث يكون ذلك الاهتمام متوائما مع برامج الدولة الأخرى ومكملا لها.
أما القضية الثالثة فهي العمل على التحديث الدائم لمناهج التعليم ومتطلبات سوق العمل الحقيقية. فكما نحن بحاجة إلى عمالة مؤهلة تأهيلا عاليا كأطباء ومهندسين ومدرسين وغيرهم من خريجي الجامعات نحن أيضا بحاجة لعمالة مؤهلة تأهيلا متوسطا كخريجي المعاهد التقنية المتوسطة والبسيطة بحيث تستوعب أولئك غير الراغبين أو حتى غير القادرين على الاستمرار في مؤسسات التعليم العالي. فسوق العمل قد تغيرت متطلباته في الآونة الأخيرة تغيرا ملحوظا بحيث أصبح يستوعب حملة المؤهلات التقنية البسيطة كما العالية تماما. وربما نظرة بسيطة على سجل «تنمية» توضح لنا أن معظم العاطلين هم من خريجي الجامعات.
إن مجتمعنا قد حقق تقدما كبيرا في مجال التنمية البشرية، وربما أفضل من أي مجتمع آخر، ولكن بحكم المتغيرات التي تحيط بنا، نحن بحاجة لجهود اكبر في هذا المجال، حتى نحافظ أولا على سجلنا الحضاري في هذا الشأن وثانيا على مواردنا البشرية من أي تهديد ديومغرافي.
بقلم :فاطمة الصايغ
ما بال بعض الناس صاروا أبحرًا
يخفون تحت الحب حقد الحاقدين
يتقابلون بأذرع مفتوحة
والكره فيهم قد أطل من العيون
يا ليت بين يدي مرآة ترى
ما في قلوب الناس من أمر دفين
يا رب إن ضاقت الناس عما فيا من خير
فـ عفوك لا يضيق
(((( راشد ))))