يا وَدَعي!
* فيروز التميمي / الدستــور الاردنيــة






يتجول "آسر" في أنحاء البيت مترنّما: "قمر واحد يطل علينا ـ وعلى الكوخ والبناء الموطّد".

استمتاع صغيري بطين إيليا أبو ماضي وتينته الحمقاء ومزمزته بترديدهما ، يؤكد لي ما عرفته دوماً: الشًعر الجميل يظلّ جميلاً ، حتى لو مرت عليه السنون ونسيناه غارقين في الضجيج.

شعرّ خالدّ آخر بزع أمام قلبي الأسبوع الماضي فكاد قلبي أن يتوقف، في أحد الصباحات وكنت قد نسيت عمان في القلب ، صدحت فيروز: "عمان في القلب أنت الجمر والجاه" فأذهلتني الكلمات وأحسست أني أحب عمان أكثر من أي وقت مضى بسبب هذه الأغنية.

كنت أظنه حيدر محمود من كتب الكلمات، بحثت فوجدت أنه خطأ متناقل ، حيث كنا في محيطي العائلي نظنه حيدر محمود من أبدعها لا اللبناني سعيد عقل، وبينما كنت أفتش عن تأكيد لصاحب الكلمات ، وجدت أن أغلب المواقع الإلكترونية المتحمسّة لعمّان تتناقل البيت الجميل "من السيوف أنا أهوى بنفسجة ، خفيضةَ القول ، يوم الفعلُ تيّاه" بنسخة محرّفة تقول: "خفيفة الطول يوم الشعر تيّاه ،"

ومع ذلك يشيدون بجمال بيتهم الذي شيّدوه بدل بيت عقل،

صفنت عميقا في كلمات الأغنية كما في كل مرة أسمعها ، واقشعر بدني وفيروز تقول "مشبّه بي يا عمان... يا وَدَعي". يا وَدَعي؟، هل الكلمة هي فعلا يا "وَدَعي" أم أنني مثل من يتغزّلون بكلمات الاغنية مخطئين؟ هذه كلمة ظننتها مغرقة في انتمائها الجغرافي إلينا. كلمة جميلة من الكلمات التي عاشت معنا في طفولتنا ثم انقرضت لسبب لا أدريه. "يا ودعي" كانت تعبيرنا الطفوليّ عن أقصى الدهشة. ورغم أن استخدام سعيد عقل لها ربما جاء بمعنى آخر تماماً إلا أنه لا يمكنني تخيّل الأغنية دونها،

وبما أنني تذكرت الكلمة التي طال نسيانها ، سأستخدمها باستحقاق وأهتف: "يا ودعي ،"وأنا أقرأ ما نشر من وثائق ويكيليكس مؤخراً، "يا ودعي ،"لأن أسوأ كوابيسنا قد تحققت ولأن التاريخ كما يبدو اليوم بوضوح قد "طعمانا كفّ ،"فاتهامنا بالبارانويا وأننا مسكونون بهاجس نظرية المؤامرة ، ثبت أن له جذر في الواقع وأننا لسنا محترفي "كبّ شرّ" على أولي الأمر.

نقرأ ، ننقهر ، نهزّ رؤوسنا ممرورين بما نقرأ من فضائح سياسية ، ثم نمتص الصدمة ونمضي في حال سبيلنا. لكن ، نلاحظ أن ويكيليكس لم يحفل بفضائح الثقافة ونتساءل إن كان يجب أن نقدّم "استدعا" للقائمين على الموقع باستحداث قسم خاص بهذا النوع من الوثائق ، فلا يليق بنا ألا يكون لدينا غير فضيحة واحدة "نص كمّ" هي فضيحة رفض أمريكا لترشح فاروق حسني ، وزير الثقافة المصري المتربع على عرشه منذ أكثر من عشرين عاماً. الوثيقة تكشف رفض أمريكا دعم حسني خلال منافسته للترشح لليونسكو بسبب "هجومه" على إسرائيل ، نتحمّس لقراءة الهجوم العنيف الذي شنّه الوزير على اسرائيل ، فنجد أنه قال ، ربما بصوت خافت أيضاً ، إن إسرائيل ليست لديها ثقافة ، وأنها سرقت ثقافات الآخرين ونسبتها لنفسها،

بخلاف هذه "الفضيحة" ، لم ترقَ فضائح الثقافة إلى درجة استحقاق إدراجها ضمن وثائق الويكيليكس. لا فضائح نوبل ولا حتى تعيين جائزة البوكر العالمية جاسوسة سابقة كرئيسة للجنتها لهذا العام.

لا تجرفنا دعوات المتحمسين لمنح ويكيليكس جائزة نوبل للآداب لأنها جعلت الإنترنت كتاباً مفتوحاً لمن يعرف أين ينظر ، فنحن نشكّ - والآن بكل عين قوية - في هدف هذه التسريبات ، ونتساءل: أليست جزءا من المؤامرة نفسها التي ما زالت صفعتها ساخنة على وجوهنا؟.

يا ربّ ألا يصير القمر أكبر ولو بسبب الحب كما كتب سعيد عقل، فقمر أكبر كفيل بالمزيد من وثائق ويكيليكس التي تؤكد مقولة ابو ماضي: "قمر واحد يطلّ علينا" هو قمر التجسس ، يطلّ على الفقراء من كواهم وعلى الاغنياء من شرفاتهم الباذخة ويقذف في وجوهنا بمزيد من البشاعات. فلنظلّ في طور الشك ونتعامى عن الحقيقة الموجعة بأننا لسنا أكثر من أحجار شطرنج يتم اللعب بها دون حياء ، وليحيا الشك الذي يجنبنا الألم ولا يفضي بنا إلى أي يقين.

ينصحنا أبو ماضي:"من ليس يسخو بما تسخو الحياة به ـ فإنّه أحمق بالحرص ينتحر" وبما أننا رأينا ما سخت به الحياة علينا من الشام لبغدان ، إلى مصر فتطوان ، فسوف نسخو بقهرنا وشكوكنا ، فقط كي لا نكون مجرد طينة حمقاء،