النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: مطرُ الأصياف أحمد محمد أمين

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    مطرُ الأصياف أحمد محمد أمين

     


    مطـــرُ الأصيـــاف

    أحمــد محمـــد أميـــن

    * إيــلاف







    قبلاً كان النسيمُ يجرحُك، والآنَ ضاع الزمنُ والتبسَ. غشيه اليباسُ وتسوّس. وأنتَ في عزّ صبواتك تهشّ بها على شهواتك. أدرْ اليّ وجهك ووجهتك، كأنك تركبُ متنَ انهزامك. ليس ديدَنك أنْ تُديرَ ظهرك الى نكد الحياة. كنتَ تتحدّى، تُصلي كلّ صعب بسياط اصرارك.لا، ما هكذا تُواجهُ الحياةُ؛؛ كنِ الصخرةَ التي تتكسّرُ عندها قرون الأيايل.كنِ الجبلَ يقهرُ الريح والطوفان. ذا أنت تجلسُ في المقهى، زائغ النطر، مُتبلداً، كسيراً، ما بقيَ فيك من ألق الأدمية سوى عينيك، بهما تراقبُ السابلة آتين وعائدين. يجيئون فارغين من أيّ متاعٍ، ويخرجون وأكياسهم ملأى بما

    تبضعوا. أنت لا تستطيعُ أن تشتري بصلة من السوق، بل تحملك عربة ٌ، تدفعها موظفة ٌ خُصصت لخدمتك، هي تشبهُ آلة ً مكرّسة ً لتلبية مستلزماتك. فلا تُضيّعْ ومضات حياتك المُتبقية بالبله والنظر اللا متوازن في القادمين والرائحين. ترفعُ يدك بين الفينة والفينة لمَنْ تعرفهم من المارة. كان ينبغي أن يُحيوك،هم، ويزجوا اليك السلام، فأنتَ الجالس وهم الماشون. كنتَ جئتَ على كرسي مُتحرّك، وتلذذت بنتف الثلج الهامية. وبالقرّ الذي يقطعُ العظام. عظامُك تغتلي حتى النُخاع. انه المرضُ الخبيثُ تغلغل وأضرم فيها حرائقه.قطعتَ تسعين حولاً، وما بقي في علم

    الغيب.سنة ً أو اثنتين أو أياماً وليس عندك من زادٍ سوى الذكريات الكابية، تغلي بها واعيتك الشاحبة.هي اللحظة َ تعود بك الى أيام مضت وخبت. تسترجع، بعد لأي، أحداثاً وشخوصاً وساعات ذهبية من شريط عمرك الذي ما ذهب سُدى، بل تمتعتَ بكل دقيقة في العمل والمتعة والشرب والثرثرة مع رفقاء الماضي.نعم، لم تقرأ كتابا، وما نفعُ الكتب سوى تسميم العقل كما قلتَ لنا مرّات. وما حاجتك الى القراءة، فالحياة عبر التجارب تعلمنا كلّ شيء.وليس في كلّ البلاد نادٍ أو حانة أو بوابة لهو الا وتعرفها وتعرفك. فحين كنتَ تمرّ في الطريق كانت عيونُ المها تنتظرُ أوبتك

    وتراقبك من خصاصات الأبواب والنوافذ. كنتَ فتى وسيماً تتورّمُ جيوبُك بالمال الذي ذهب معظمُه أو كله خلل الحرب. ضاع الكثيرُ وضيّعتَ الكثير. التليد منه والطريفُ.وبقي منه شيءٌ أو أشياء، لكنه لا يُحققُ مجداً. ما زلتَ تصبو الى الأمكنة، الى بؤر الفتوة واليفاعة، الى العزّ الذي كنتَ فيه. هكذا الزمنُ، لا أمانَ عنده. وليس له من صديق.هو قاهرنا وهازمنا، نشيخ نحنُ ونبور، ويبقى هو دوّاراً يغذّ خطاه في سدم المستقبل ولا يلتفت الى الوراء. تاركاً خلفه ماضياً مفعماً بالذكريات والأسى.أنتَ الساعة َ تجترّ ما كان من الذكريات، تستقدمه بين آونة وآونة.

    لكن يستحيل عليك أن تمسك به، وتقبض عليه. هو سراب خلبٌ.ذهب كلّ شيء، الشبابُ والثروةُ والمجد فأينَ حطّت بك الأنَ ساقيةُ العمر. هنا، في هذا البلد الأوربي الآمنِ. تحظى فيه بعناية فائقة. يجيئك الحكيم الى بيتك، بل يحمل معه أجهزة العلاج . كما تزورك الممرضات مرّات في اليوم.وأمّا البلدية فخصصت لك موظفة ً تُعنى بك، تلبّي كلّ حاجاتك. وها أنت في ذا الصباح القار، والحرارة تسع درجات تحت الصفر،تجلسُ في مقهاك المعتاد،تشاكسُ باصرتُك معالم السوق والسابلة . فيما تخمدُ الى جوارك الموظفةُ هادئة ساكنة وربّما عراها النعاسُ والمللُ . هي أشبهُ بظلك،

    ظلٌّ يدفعك من الشقة الى السوق ومنه اليها بعد ساعتين من الثرثرة . تقضمهما مرغمةً . تسيل الى سمعها كلّ ما تقولون خلال ساعتي الجلوس. بعد قليل يجيء الرجلُ البطريقُ، الذي تعرفه من أيام الشباب،يجيء متعثراً، ومترنحاً يُمنة ويسرة. وقد كرع قدحين من العرق، واحمرت وجنتاه، وزاغ بصره، وارتبكت شفتاه تسيلان بهذيان بلا أول ولا آخر. ثمّ ينضمّ اليكما صديقان آخران، وربّما ثلاثة. وتمضي بكم الثرثراتُ الى غاياتها، الى قيعان الماضي.الى السياسة والشراب والمزاح والشتائم ولوك سير الناس.الرجلُ البطريق أصغرُ منك بسنوات لكنه ليس مثلك ثابت الجنان. لقد

    مسّه الخرفُ، يقول كلاماً كثيراً لا رابط بينه. ينتقلُ من موضوع الى موضوع.كما لو كان يتكلمُ بلغة سوريالية.لسانُه مقصّ حاد يقطع به سير الناس. ويولغ في ذكر عيوبهم.وليس عنده من أحد يستحقُ الثناء,كلّ الناس في نظره كلاب شرسة وذئابٌ متوحشة.وما أن تتركَ مجلسه حتى يصليك بكلّ سيئة ولو لم يكن فيك منها شيءٌ. هكذا الرجلُ البطريقُ، المُدمنُ على الشراب ليلَ نهار. امسِ رأيته مزمعاً على الخروج من بوابة في السوق تُفضي الى مرأب للسيارات . والفضاء ثمة َ مكسوّ بالثلج تصفر فيه الريحُ الزمهرير.سألته: الى أين أنت ذاهبٌ؟ / اكتسى وجهه ابتسامة بلهاء، وردّ:

    الى البيت/ قلتُ: الطريق الى بيتك ليس من هذا الباب.بل من الباب الذي تركته وراءك. وهو على مرمى حجر منه/ دمدم بهدوء: صحيح، يبدو أني ضيّعتُ مساري، ولا أعرف الى أين سائرٌ أنا/ أشربتَ صباحاً، سألتُ مازحاً / لا، أنا لا أشربُ صبحاً / يبدو عليك أنك شربتَ، والا فكيف تُضيّع الطريق الى بيتك القريب من بوابة السوق؟ / أوه، نسيتُ، شربتُ قليلاً من العرق وهذا القدر لا يُسكرُ أبداً، لكنني مريضٌ، امسِ أخذوني الى الطواريء، وأكدت الفحوصات الطبيّة أنّ عطباً عرا كبدي والكليتين والبنكرياس وارتفع عندي الضغط والسكر/ ابتسمتُ له: لم يبق فيك شيء سليم اذاً / ردّ
    بخجل: لم يبق الا القليل / ثمّ تركني عائداً الى الباب الذي يوصله الى بيته.. ذا هو أمامنا كما لو أفاق توّاً من غيبوبة.يطوف على سيمائه البلهُ واللاتوازن يتكلم كثيراً، ونُصغي اليه مرغمين. ينتقلُ من موضوع الى موضوع، وجلّ حديثه عن الشيخة/ زوجته / المرأة المتسلطة التي تقضّ مضجعه تحرمُه وتمنعه من كلّ شيء. وتقول له كلّ شيء. وكأنها في نظره شيطانُ ترجمه وتلعنه . تقولُ له مؤنباً: أنت تشوّه سيرتها، هي أمّ أبنائك / ويردّ بغضب: اللعنةُ عليها /.. أنت شظية ٌ من ماضيه تنصتُ اليه وتتورّم حنجرتُك بالضحك من كلامه وتصرفه. لذلك تناديه ليجلس الى جوارك . حالما

    يلج السوق يحجلُ في مشيته. هو لا يشربُ شاياُ أو قهوة ً، ولم يره أحد جالساً في مقهى. أويصرف كرونة من جيبه على شراء حاجة. لا يدخل حانوتاً للشراء، بل يدور فيه ناظراً الى المعروض من البضائع.قلتَ لنا قبلاً:انه بخيلٌ، وكثيرٌ عليه أن يصرف عشر كرونات على قدح من القهوة. يجولُ ويصول داخل السوق مرّتين في اليوم، فصار معلماً من معالمه. ومثله بضعةُ أشخاص آخرين داهمهم الكبرُ، واحد من أمريكا اللاتينية، يمشي ويتحدّث مع نفسه باللغة الإنجليزية. أنيقاً تراه يوماً، وبائساً رثّ الثياب أحياناً، طويل اللحية، ينتعلُ حذاءً له صوتٌ يدمدم ويخربشُ فضاء

    السوق. وعجوز آخر متهالك يترنح وترتجف يداه، يجمع علب الشراب من براميل القمامة، يدسّ يده فيها، بل رأسه أحياناً .تصرّفه مقرفٌ فهو لا يحترم شيخوخته ويتجنبه السابلةُ، بل ضُبط قبل أيام يسرق زوجاً من الجوارب، فحاصره حرّاسُ السوق، ومنعوه من دخوله. لكنه عاد ولم يعترض أحدٌ على عوده. وثمة أمرأة سوداء مُدمنة ترتدي ثياباً مُلوّنة تُظهرها مثل ببغاء أفريقي. تترنحُ من السكر، سكرى من مطلع الصبح حتى المغيب. بلا صديق في أغلب الأوقات. لكنها تُرى أحياناً بصحبة عجائز مُدمنين على شاكلتها. وتكاد تكون هي أيضاً معلماً آخرَ.

    وأنتَ ترنو ببصرك الى الناس جميعاً، والى هؤلاء الذين جئتُ على ذكرهم. وصاحبُك واحدٌ مثلهم، أحياناً يصعد الى المكتبة ورائحةُ الخمر تفوح منه. ويلتقطُ كتاباً ويجلس في ركن قصيّ، ثمّ يغفو جالساً موهماً مَنْ يراه أنه يقرأ. ولطالما وقفت الى جواره دقائق من دون أن يفطن اليّ، واضطرّ الى الطرق فوق الطاولة،يُفيق فزعاً ويقول دون أن أساله: كنتُ أقرأ / كيف تقرأ وأنت نائم واسمع شخيرك؟ / أحياناً اغمض عينيّ لأستوعب ما قرأتُ، يردّ بعناد/ هي حيلة ٌ ترددها دوماً، أنا هنا منذ بضع دقائق، سلمتُ عليك فلم ترد عليّ / سكت وابتسم لي، ثمّ قال: المهمُ أنا في

    المكتبة وأمامي كتابٌ، ردّ مازحاً / اتركه بعض الوقت، وحين أعود فلا أجده. سيجول في السوق بعض الوقت ثمّ يعود الى البيت الذي يكرهه ويكره مَنْ فيه.

    ما زلتَ جالساً الى جواره مُصغياً الى هذره وهذيانه. هذا الثعلب الماكر المنتقل من حديث الى سواه. وحين يعنّ وقت مغادرتك تطلب الى الموظفة أن تلبسك معطفك قاطعاً حديثه. وتُجلسك في العربة عائدين الى البيت، ويغادر أيضاً البطريق الثعلب، فيما يبقى صديقاك الآخران حتى منتصف النهار.وتلجُ بك الموظفةُ في الفضاء الثلج الكفيل بإطفاء لظاك المستعر، لظى عظامك . بينما مضى البطريق الى مَنْ بقي من ثلته الجالسين فوق المصطبتين على يمين المقهى بعيدين عن طريق المارة. وهناك له جولة ٌ اخرى معهم يشاكسهم ويشتمهم . أحياناً تتحوّل المشاكساتُ الى زعل فيضطرّ
    بعضهم الى مغادرة السوق. لقد عدتَ الى البيت وتلوذ بغرفتك، بينما تمورُ الصالةُ والغرف بالبنات والأحفاد وأبناء الأحفاد. يأكلون ويشربون ويثرثرون حتى العاشرة مساءً. قبلاً كنتَ تتغدى بشهية، تلتهم ثلاثة أقراص من الكبة الشامية، أو عشرة أرغفة من خبز العجين واللحم، وربعاً من عرق الزحلاوي. ثمّ تنام، وكذا مثل ذلك في وجبة العشاء مع قدحين من الويسكي. أمّا الآنَ فتقلصت شهيتك فلا تتناولُ من الطعام الا عُشرَ ما كنتُ تتناوله قبلاً. ويحترقُ جوفك وعظامُك. وتقوم الممرضة بوضع لصقات شفيفة على كتفيك لإسكات الألم. وتنام بعد أن جرعتَ حفنة من الحبوب،

    ومثل ذلك صبحاً قبل الفطور. غداً تعود مثل بقية الأيام الى السوق، الى مقهاك وأصدقائك. وتتلقى عيناك معالم الطريق والسوق كما لو كنتَ تراها أولَ مرّة.هذه هي الحياةُ، معينٌ لا ينضبُ، ثرّة ٌ هي، تُجددُ أهابها كلّ يوم . حين تلج المقهى تُرحّبُ بك النادلةُ، وتُجلسك الموظفةُ في مقعدك المعتاد وتذهب لجلب قدحي القهوة والماء. فلا تحسو طيلة جلوسك سوى رشفة أو رشفتين من القهوة. وتشرب شيئاً من الماء. وتنتظر رفاقك. اثنان منهم مملان يتحدثان عن الأدب والثقافة والكتب التي قرآها. فما شأني أنا بالكتاب؟ سأنتظر الرجل البطريق، ليتحدّثُ عن الماضي وعن حانات

    الشراب والشخصيات السياسية وشيوخ شمّر، والمطربة صباح ووديع الصافي وصباح فخري ومواويله الحلبية.وعن اولئك الاُلى غادرونا وتركوا لنا كمّاً من الذكريات. حين يجيءُ صاحبك تعود الاُسطوانةُ الى تكرار ما تقدّم ذكرُه أمسِ وقبله. وليس من جديد سوى الأكاذيب التي يُتقنُ ديباجتها. هكذا الحالُ هنا وربّما سيتغيّر بعد غيابك.تتغيّرُ الوجوهُ والأحاديثُ، ولن يجرؤ البطريق الثعلبُ على ولوج المقهى ثانية.وسيكون للجلسة إيقاعُ نغم ٍ آخرُ، كما الحالُ حين تغيب أحياناً عند اشتداد المرض......................
    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 7 - 12 - 2010 الساعة 10:40 AM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •