|
|
هي من عادات العرب المتوارثة، والقديمة قدم عنترة بن شداد ومن كان قبله ومن جاء بعده. أليس هو القائل: «عفت الديار وباقي الأطلال»؟
ويبدو من وجهة النظر الأدبية أن من أجمل قصائد البكاء على الأطلال، هي تلك الأبيات التي ترنم بها الشريف الرضي الذي توفي عام 1015 ميلادية، أي قبل ألف سنة بالتمام، والتي قال فيها:
ولقد مررت على ديارهم ؟؟ وطلولها بيد البلى نهب
فوقفت حتى ضج من لغبي ؟؟ نضوي ولج بعذلي الركب
وتلفتت عيني فمذ خفيت ؟؟ عنها الطلول تلفت القلب
وكما نعلم فإن الأطلال مرتبطة بالبكاء عند العرب. ولا نعرف كيف أن العرب الذين عرفوا بأنهم من أكثر فرسان التاريخ بأسا ويصنفون على أنهم مقاتلون من الدرجة الأولى، جمعوا بين القلب القاسي والقلب الباكي؟ ولم يتوقف العرب عن البكاء على الأطلال حتى في عصرنا الحديث، عندما كتب إبراهيم ناجي (توفي عام 1953) قصيدته «الأطلال» التي ما لبثت كوكب الشرق أن تغنت بها، وشاهدنا جميعنا كيف ترنح القوم يمنة ويسرة وهم ينصتون لبكاء ناجي على الأطلال، ولكن بصوت امرأة.
والغريب في الأمر أن البكاء على الأطلال تطور مع تطور الزمن العربي. فانتقل كالفيروس الفتاك من الشعر إلى السياسة. وأمسى الشعب العربي، وعلى رأسه وسائل الإعلام والكتاب والمحللون (وليس الملحنون فقط) والصحافيون وصحفيو الأعمدة اليومية، لا ينفكون تبكي أقلامهم على تطور البشرية في كل مكان، بينما هم واقفون أمام أطلال أمجاد ماضيهم الذي ولى دون رجعة.
وما فتحنا قناة من القنوات الفضائية العربية، إلا وكان الحديث والنقاش والحوار المعاكس يدور إما عن تاريخنا القديم أو البكاء على حاضرنا الأليم. وحقيقة الأمر أننا لم نتطور إلا لأننا وقفنا وقفة طويلة عمرها عشرات القرون، عند جدران «خربة» الحبيب ولم نتحرك. ومنا من تحرك قليلا، غير أن قلبه كقلب الشريف الرضي ظل متعلقا بماضيه.
الكلام الكثير عنا وعن مقارنة أنفسنا بماضينا أصبح مملا. وكل من كتب في هذا الموضوع وطالب حكوماته ومسؤوليه بالنظر بعين الواقع إلى واقعنا المر وتغييره، لم يعد مثيرا لاهتمام أحد، وعلى رأسهم حكوماته ومسؤولوه. لماذا؟ لأن هناك ملايين الكلمات التي تخطها يوميا أيدي الشعراء والكتاب والصحافيين، تدعو ليل نهار إلى الانسلاخ من الماضي الدفين وإحياء عصر النهضة العربية، من خلال التحول إلى شعوب واقعية صناعية منتجة، لا أكثر.
الحقيقة، تألمت كثيرا وأنا أقرأ خبرا مفاده أن روسيا العظمى التي هزت العالم وأوقفت الولايات المتحدة الأميركية عند حدودها، قد تسلمت من إسرائيل عددا غير محدود من طائرات من دون طيار، في أول (وليس آخر) طلبية من نوعها لتعزيز قواتها الجوية، وأن روسيا دفعت ثمنا لهذه الصفقة بما يقارب الخمسين مليون دولار. وأن هذه الصفقة كانت جزءا من مبادلة وافقت موسكو بموجبها على تجميد خطط لبيع إيران نظما صاروخية دفاعية من طراز أس ؟ 300.
هكذا تعيش الشعوب واقعها. ومن يقرأ سيرة اليهود يجد أنهم لم يتوقفوا عند أطلال حائط المبكى أو الهولوكست والتشرد منذ زمن موسى عليه السلام، بل خلعوا ثياب الحزن وفتحوا نوافذ الشمس، وشكلوا دولة في غضون سنوات قليلة أصبحت تضاهي العديد من دول العالم المتقدم. نحن لا نختلف على أسلوب البناء هذا الذي دفع ثمنه شعب بريء بأكمله، ولكننا نختلف على واجب التغيير. العالم الذي نعيشه عالم الأقوياء وليس عالم الضعفاء.
فلسطين «وراحت» (كما يقول الفلسطينيون)، بعد أن تقاتل الحمل مع أخيه الحمل أمام عيني الذئب الذي لا يصدق ما يرى، والعراق «هَم راح» (كما يقول أهل الرافدين)، بعد أن تحول إلى كومة من الدمار والفرق المتحاربة والتدخلات الخارجية والداخلية، وتقسيمه سياسيا وضمنيا إلى دويلات شيعية سنية كردية كل يغني فيها على ليلاه.
ولبنان «عم يروح» (كما يقول اللبنانيون) وهي قصة مسرحة هزلية، واليمن «يقتات في الصباح مما خزنه في الليل»، أما السودان العجيب فهو يستحق كالعراق وفلسطين ولبنان ما يحدث له.
فهل يعقل أن يعيش السودان هذا الوضع المأساوي، وهو قادر على إطعام العالم العربي من خيرات أرضه؟ غدا سيتحول السودان إلى دويلات بالكاد ترى بالعين المجردة. ويتنبأ الكثيرون أنه سيتحول إلى ساحة صراع واقتتال في فترة قصيرة من الزمن. والكارثة الأكبر هي إذا ما صح أن هناك خططا مستقبلية وضعت لمصر، كما وضعت للسودان والعراق ولبنان واليمن.. وفلسطين قبلهم كلهم.
لماذا؟
لأننا متخصصون في البكاء على الأطلال وتعبئة خزائن المصارف الأجنبية بالأرقام المذهلة. هل يعتقد العرب أن اليابان وكوريا وماليزيا واندونيسيا والهند والصين، تملك جبالا من الذهب والفضة حتى تفوقوا في الصناعة والابتكار؟ إن اليابان، على سبيل المثال، في مساحتها (000, 378 كم مربع) لا تساوي عشر مساحة السودان (000, 500, 2 كم مربع)، ولا تملك نهرا كنهر النيل، ولا أرضا زراعية كأرض السودان.
ولا حديدا ولا ذهبا ولا فضة، ومع ذلك لا يوجد شبر واحد مأهول على كوكب الأرض، إلا وفيه إما سيارة من صنع ياباني أو جهاز تلفاز أو مذياع أو حاسوب أو حاسبة رياضية أو ساعة يد، بل تعتبر اليابان أول دولة اخترعت وصنعت ساعات تحديد أوقات الصلاة واتجاه القبلة للمسلمين الذين جلسوا يبكون على أطلال عنترة وشعراء المعلقات... إلخ!
اليابانيون لا يبكون على أطلال وضحايا هيروشيما وناغازاكي. إنهم شعب صامت. لا يبكي ولا يضحك. إنهم شعب يؤمن بأن الله خلق الإنسان ليعمل ويكتشف ويتطور، وبدلا من ذرف الدموع قرر الشعب الياباني أن عليه أن يتصبب عرقا في المصنع والحقل. ما هو كله ماء في ماء.
فهل نحن منتهون؟
بقلم :د. محمد سلمان العبودي
ما بال بعض الناس صاروا أبحرًا
يخفون تحت الحب حقد الحاقدين
يتقابلون بأذرع مفتوحة
والكره فيهم قد أطل من العيون
يا ليت بين يدي مرآة ترى
ما في قلوب الناس من أمر دفين
يا رب إن ضاقت الناس عما فيا من خير
فـ عفوك لا يضيق
(((( راشد ))))
يسلمووو ع نقل الخبر
مشكــــــــــــــــــــــــــور ع الخبــــــــــــــــــــــــــر
مشـكور ع خبرر