|
|
هل أصبحت عملية التواصل الاجتماعي بين مختلف الأجناس التي تعيش في مجتمعنا، صعبة ومعقدة إلى ذلك الحد؟ هل أصبح مجتمعنا عبارة عن مجتمع جاليات، أو بالأحرى مجتمعا متعدد المجتمعات، تعيش في نطاقه مجتمعات متنوعة كالمجتمع الآسيوي والمجتمع الأوروبي والأميركي والعربي وغيرها من المجتمعات، دون أي وسيلة اتصال موحد؟
وما هو السبيل إلى عملية تواصل سهلة بينا وبين تلك المجتمعات والطوائف، وسيلة تخدم أغراضنا الاجتماعية والثقافية والأمنية؟
في نهاية شهر نوفمبر 2010 عشنا أياما ثلاثة مع ذكريات العاملين في منطقة الإمارات قبل قيام الاتحاد، من خلال مؤتمر علمي عن ذكريات الإمارات من خلال السرد الشفاهي، نظمه مركز الوثائق والبحوث التابع لديوان الرئاسة.
كان معظم المتحدثين من البريطانيين الذين عملوا في المنطقة، إما بصفتهم ممثلين للحكومة البريطانية، وإما بصفتهم عاملين لحساب شركات بترول أو أطباء أو زوجات لعاملين في المنطقة. كانت رحلة شيقة عبرنا من خلالها الحواجز اللغوية والنفسية والحضارية والسياسية، تماما كما عبروا هم بنا حواجز التاريخ والجغرافيا.
وعلى الرغم من النقد الذي وجه لهم باعتبارهم لا يعكسون سوى وجهة النظر البريطانية (وهي حقيقة مفروغة منها، حيث لا يمكننا توقع العكس)، إلا أن سردهم كان ممتعا، حيث غلب عليه نوع من «النستولوجيا»، وتعني التذكر والسرد بلغة غلب عليها نوع من الحنين لتلك الفترة والتي عاشو فيها واختلطوا فيها بالاهإلى وتركوا لنا ذكرياتهم موثقة أحيانا بالصور الفوتوغرافية، وأحيانا أخرى بالأفلام الوثائقية، وأحيانا كثيرة معتمدين على الذاكرة الشفاهية.
ومما لا شك فيه أن ذكريات هؤلاء وكتاباتهم تمثل جزءاً من ذاكرة المنطقة الاجتماعية، سواء شئنا أم أبينا. فقد كان الانجليز لاعبا رئيسيا في صنع القرار في المنطقة، كما تمثل وثائقهم مصدرا مهما لتاريخنا في ظل غياب الكلمة المحلية المكتوبة، وفي ظل غياب أساسيات التدوين والتأريخ، كالتعليم وأدوات البحث العلمي وغيرها من الأساسيات التي تتطلبها عملية كتابة وتدوين التاريخ.
وعلى الرغم من قلة المصادر المحلية التي يمكننا من خلالها مقارنة الأحداث التي ذكرت، والتأكد من مصداقيتها، إلا أن ذلك لم يضعف من عملية التوثيق تلك ولا من المصدر ككل.
أثار المؤتمر العديد من الأسئلة المتعلقة بعملية التواصل الاجتماعي، والتي لو ربطنا بينها وبين ما يحدث في مجتمعنا اليوم، لأمكننا إيجاد تحليل لما يحدث في مجتمعنا واستشراف ما سوف يحدث مستقبلا بالنسبة لعملية التواصل المجتمعي.
ففي ذلك المؤتمر قدمت لنا ذاكرة العاملين والرواة الأجانب، صورة متجددة عن العلائق الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك في مجتمعنا، والأهم من ذلك عن الثابت والمتغير في تلك العلائق.
كان عدد الأجانب الذين عاشوا في الإمارات في تلك الفترة محدودا. فبينما كان عدد الهنود لم يتجاوز الآلاف، كان عدد الانجليز أقل من مئة شخص، هذا بالإضافة إلى أعداد أخرى من الأجانب الآخرين. ومما يلفت الأنظار حقائق نقف أمامها اليوم باستغراب ونحاول تحليلها واستخلاص النتائج. فمعظم الروايات الأجنبية التي استمعنا لها، كانت تصف تلك العلائق والوشائج السائدة في تلك الأيام «بالعلائق الوطيدة».
ليس فقط الإنجليز هم من أطلق عليها ذلك، ولكن جميع من أتى للعيش بيننا. فقد تشكلت علاقة وطيدة بين هذه الفئة من الناس وبين الأهالي، على الرغم من غياب وسيلة التواصل الفعلي المتمثل في اللغة والخلفية الحضارية. فكما يبدو لم تكن اللغة عائقا، ولم تكن هناك عوائق فكرية أو اجتماعية أو حضارية أخرى تعيق عملية التواصل الاجتماعي.
كما لم تلعب الحدود الجغرافية والنفسية دورا مهما في التأثير على عملية التواصل تلك. فبالنسبة للأهالي كان هؤلاء غرباء في الشكل والملبس فقط، ولكنهم لم يكونوا غرباء عن المجتمع، فرحبوا بهم واعتبروهم جزءا أساسيا من التركيبة المجتمعية آنذاك.
أما الأجانب الوافدون فعلى الرغم من أنهم جاءوا بهدف معين، سواء سياسي أو اقتصادي أو حتى أيديولوجى، فلم ينظروا للأهالي نظرة فيها تعالٍ على أساس أنهم أعلى منهم رتبة وعلما وتحضرا، بل أثبتت الصور الفوتوغرافية التي التقطت، انهم اندمجوا معهم متقبلين بنفس راضية الوضع الحضري الذي وجدوا أنفسهم يعيشون فيه، تماما كما تقبلوا الظروف الحياتية الموجودة آنذاك، حيث اعتبروا أنفسهم يؤدون خدمة جليلة لوطنهم.
قضية سهولة عملية التواصل بين الناس على مختلف أجناسهم ولغاتهم وطبقاتهم، خاصة في ظل غياب التعليم، كانت مثيرة. فكما يبدو لم تكن اللغة عائقا مانعا من التواصل، كما لم تلعب الاختلافات الاجتماعية والإثنية أي دور في إعاقة عملية التواصل تلك. فظهر مجتمع متناغم، على الرغم من كافة الاختلافات.
هذه الحقيقة تثير عدة أسئلة في الوقت الراهن. فكم مرة سئلت من قبل وافدين جدد إلى الإمارات، عن السبيل إلى إقامة علاقات مع أهل الإمارات والتواصل مع الجاليات الأخرى لمعرفة ثقافتهم الاجتماعية.
وما يزيد الإنسان حيرة، هو موقف أولئك المقيمين لدينا منذ أمد طويل، يصل بالنسبة للبعض إلى ثلاثة عقود أو أكثر، وعلى الرغم من ذلك فإن الأكثرية يجهلون الثقافة المحلية ولم يقوموا بزيارة لبيت إماراتي قط.
هذه الحقائق تتضارب أحيانا مع الحقائق المذكورة سلفا، والتي تثير نقاشا حول عملية التواصل المجتمعي في مجتمعنا، خاصة ونحن نعيش الآن في مجتمع حاز على درجة عالية من التعليم ومعظم سكانه ثنائيو اللغة.
فكما يبدو فإن عملية التواصل المجتمعي في الماضي كانت أسهل بكثير من الوقت الراهن، على الرغم من وجود نفس العوائق. فما الذي تغير إذا؟ تغير النظر للآخر، سواء كان هذا «الآخر» مواطنا أو وافدا.
فأصبح هناك نوع من الشك وإقصاء الآخر، والتقوقع نحو الجماعة الصغيرة والتمسك بالثقافة الإثنية، الأمر الذي أوجد عزلة اجتماعية فريدة، فظهر لدينا مجتمع جاليات صغيرة وكبيرة، مقطوعة جزئيا أو كليا عن الآخر.
هذا الأمر يمثل تحديا، خاصة في ظل بعض الأمور الأمنية التي نحتاج فيها إلى مخاطبة الجميع بلغة مشتركة. فمما لا شك فيه أن وجود تلك اللغة المشتركة ضرورة اجتماعية كما هي ضرورة أمنية. لذا فمن الضروري أن تعمد الجهات المختصة إلى دراسة بعض الإجراءات التي من شأنها إعلاء خطاب واحد يفهمه الجميع، أو وسيلة تواصل مجتمعي تخدم مصالحنا، خاصة في ظل بعض الظروف غير العادية.
بقلم :فاطمة الصايغ
ما بال بعض الناس صاروا أبحرًا
يخفون تحت الحب حقد الحاقدين
يتقابلون بأذرع مفتوحة
والكره فيهم قد أطل من العيون
يا ليت بين يدي مرآة ترى
ما في قلوب الناس من أمر دفين
يا رب إن ضاقت الناس عما فيا من خير
فـ عفوك لا يضيق
(((( راشد ))))
يسلمووو ع نقل الخبر