
لا نبالغ إذا قلنا إن البيت الإماراتي، وهو في جذوره جزء من مفهوم البيت العربي التقليدي، يعكس قيماً هندسية ورؤية جمالية، تتشابكان في بوتقة واحدة، وهي ما نطلق عليه المكان السكني الذي يعيش فيه الإنسان، إذ يحتوي المنزل الإماراتي على تصميم محكم للمعمار، وخاصة تلك الأبنية المشيدة من صخور المرجان وأسقفها من سعف النخيل أو الخشب، التي تتزيّن واجهاتها وجدرانها الداخلية بكتابات زخرفية لآيات قرآنية وأحاديث وأشعار متنوعة.
[IMG]http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?blobcol=urllowres&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey= id&blobtable=CImage&blobwhere=1288544122245&cachecontrol=0%2 C4%2C12%2C16%2C20%3A00%3A00+*%2F*%2F*&ssbinary=true[/IMG]
[IMG]http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?blobcol=urllowres&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey= id&blobtable=CImage&blobwhere=1288544122248&cachecontrol=0%2 C4%2C12%2C16%2C20%3A00%3A00+*%2F*%2F*&ssbinary=true[/IMG]
مما لا شك فيه، أن القيم المعمارية التي ابتدعها إنسان هذه البيئة، تستوحي سحرها وأشكالها وتصاميمها من المكان ذاته. والبيوت التقليدية في دبي، ما هي إلا انعكاس للغة حضارية تداولها الإنسان في فترة تاريخية معينة.
وفكرة الكتلة والفراغ الهندسية تأخذ مكانتها في الصحراء، وتتشكل مع تطور ذهن الإنسان الإماراتي الذي واجه الصحراء بكل قوة. وبطبيعة الحال، لم يصل الإنسان في هذه المنطقة، إلى هذا الفكر الهندسي إلا بعد مروره بمراحل متعددة. وقد كان للبيت الإماراتي وظيفة بل وظائف عديدة تسهل عملية العيش في هذا السكن التقليدي، حيث حافظ على تراثه وابتدع فنونه وزخرفته ونشرها بين جدران مسكنه، مستوحياً من تراثه العربي الإسلامي الزاخر.
تتنوع وتتعدد هذه العناصر المعمارية في البيت الإماراتي، ومنها مدى تكيفها مع البيئة الإماراتية. وهنا نحن بحاجة إلى وصف معماري لكل عنصر من هذه العناصر لكي نفسر أهميتها في تطوير نفسية وثقافة الإنسان الإماراتي عبر بيئته.
ويحدد لنا المهندس رشاد بوخش، مدير إدارة التراث العمراني، من خلال خبرته الطويلة في هذا الميدان، العناصر المعمارية التي استخدمها الإنسان الإماراتي في بناء مسكنه، والتي يقول عنها:
«إن العمارة التقليدية بإمارة دبي لم تكن حدثاً وقتياً جاء نتيجة التأثر والتقليد للعمارات المناظرة، إنما طابع عرّف حضارة مجتمع تفاعل مع المؤثرات البيئية والحضارية، لاستيفاء الاحتياجات وتطويع الإمكانات، هذا طابع احتفظ بخصوصيته وشخصيته الحضارية عبر مجموعة العناصر المعمارية».
ويحدد بوخش هذه العناصر الجمالية: «الفناء الداخلي، فراغ مركزي مكشوف أغلبه أو بعضه مغطى، وغالباً ما يكون منتظم الشكل، وأقرب إلى المربع، وتتوزع حوله الاستخدامات. وهو بذلك مصدر ربط أجزاء المبنى الداخلي بعضها بالآخر وفق تدرج فراغي، حسب طبيعة الوظيفة، وتصميمه بالعمارات التقليدية لا يخضع لقاعدة شكلية ثابتة.
وثم البراجيل والأبراج الهوائية التي تأخذ الشكل المنتظم «المربع»، كبرج متعامد القطرين مفتوح من الجهات الأربع، وموقعه عادة أعلى الغرف الرئيسية والمجال، وتعد مكوناته المعمارية والجمالية استكمالاً لشكل واجهات المبنى، بل أصبح يشكل رمزاً للطابع وعلامة مميزة للمساكن التقليدية.
ويُضاف إلى ذلك ملاقف الهواء، وهي أشكال معمارية داخل تجاويف ومتداخلة بحيث تسمح للهواء بالمرور خلالها وفق لقط وتسريب الهواء أفقياً، ثم عمودياً نحو الغرف أو الفراغات الداخلية للمسكن، دون ولوج الضوء داخل الغرفة أو الفراغ.
ولعل أهم ما يميز الأعمدة التقليدية هو البعد عن الزخرفة في بدن العمود، مع عدم اتباع النسب الكلاسيكية الجمالية، سواء على مستوى الأجزاء «البدن والتاج»، أو على مستوى المسافات البينية «البانكة».
ومن أهم أنواع الأعمدة التي انتشر استخدامها مع العمارة التقليدية، الأعمدة الناقوسية المجردة أو ذات القنوات المرسومة بالفحم. وتتميز العقود المستخدمة في العمارة التقليدية ببساطتها وقلة زخارفها، وقد شاع استخدامها في الإيوانات والشرفات الداخلية أو في المداخل البارزة.
والفتحات والدخلات اتخذت أشكالاً معمارية ذات إيقاع ونسب معروفة، وتنوعت في البعد الرأسي أو الأفقي للواجهات. وعادة ما تكون مستطيلة ومتكررة الدخلات في العمارة التقليدية، بالتزين الركني أو الأفقي أو المعقود بعقد بسيط نصف دائري».
هوية ثقافية
لا تكتفي العناصر الجمالية بتكوين البيت لوحدها، بل هي تعكس هوية البيت التقليدي الإماراتي، فهو يعبّر عن حياة اجتماعية والهوية الثقافية التي تتجسّد عبر الطرز المتنوعة. وهو ليس مجرد شكل أو مجموعة عناصر معمارية وزخارف فقط، ولكنه حالة وجدانية ونمط حياة عاشها الإماراتيون عبر التاريخ. بل إن البيت الإماراتي يعبّر عن العالم الداخلي للأفراد الذين يعيشون فيه.
وبكل بساطة يعبّر البيت عن صاحبه وأذواقه وأفكاره وبيئته، وهو يعود إلى التاريخ والتراث الفني. وكل هذه الابتكارات من البراجيل والملاقف الهوائية وغيرها جاءت من الخبرات المتراكمة لسكان المنطقة في تفاعلهم وحوارهم مع الطبيعة. وحتى تصميم الأثاث جاء منسجماً مع الحياة التي عاشها الإنسان.
وحافظ البيت الإماراتي على صناعته من المواد القديمة في البناء، وذلك ينسجم مع طبيعة الحياة البيئية. ولم يتمكن السكان الأوائل من البناء على البحر على سبيل المثال، ولذلك ازدهر بناء المساكن على ضفاف الخور، وأصبحت المناطق آهلة بالسكان لأنها ملجأ آمن لهم.
وجاء ترميم هذه البيوت القديمة باعتبارها قيمة حضارية لا بد من الحفاظ عليها، فتم إدخال الخامات الأخرى، مثل استخدام الخرسانة والحديد والألمنيوم وغيرها لتدعيم هذه المباني وجعلها أكثر صموداً بوجه الزمن. ونبعت العناصر الجمالية من فكر الإنسان وتصاميمه، لذلك كانت معظم المكونات مختزلة، ومشتقة من التصميم العربي الإسلامي ومخزونه الثري.
البيت التراثي
يؤكد المهندس الدكتور عبد الصمد الخالدي، من جامعة عجمان أن «المباني المعاصرة بحاجة إلى روحية الفضاء الشفاف، المنساب، المتداخل، المتراكب، ذي اختراقية بعضها على بعضها الآخر.
وبينما لا تمتلك البيوت الحديثة هذه الخاصية، فيما تتوازن الكتل والفراغات في جميع المرافق والأبنية، ويتناغم معها الظل والضوء. كما أن التنوع في الشكل الهندسي يجعل البيت الإماراتي أكثر انسجاماً مع راحة الساكنين، وخاصة في فناء البيت الداخلي الذي يوفر مساحة واسعة من الحركة وانعكاس الظلال والضوء، بين الأعمدة والجدران.
ويُضاف إلى ذلك أن تصميم البيوت التراثية من حيث البيئة والفضاء أو من حيث التركيب الإنشائي الهيكلي، من شأنه أن يعطي لكل شكل من هذه الأشكال وظيفة معينة تخدم الساكنين».
لا شك أنه يرتبط المضمون الإسلامي بالبيوت من حيث المحافظة على الخصوصية والحرمة. كما أنها تميزت بانسجامها مع الظروف المناخية. وتميزت البيوت الإماراتية ب«الشمسيات»، وهو عبارة عن لوح من الجص يحتوي الزجاج الملون، وهو يسمح بدخول الشمس والضوء، ويمنع دخول الرياح المغبرة.