لُغَتُنا الجريحة
خيري منصــور
* دار الخليج
إن يوماً عالمياً واحداً من أجل هذه الأبجدية الجريحة في صميم كبريائها لا يكفي، فهي واحدة من ست لغات أقرّتها الهيئات الدولية لغاتٍ عالمية ورسمية للتخاطب في المحافل، وهذا استحقاق قديم لها تأخر موعد سداده . وما يقال الآن عن مئات اللغات المعرّضة للانقراض، يرسل عن بعد نذيراً لكل اللغات الحيّة، ومنها الفرنسية التي تعقد سنوياً ندوات عدة لحمايتها من الضمور، رغم ما تتمتع به من نفوذ فرانفكوني يشمل أكثر من خمسين دولة، واللغة العربية باعتراف المستشرقين الذين غامروا في التجوال بين شعابها الوعرة، هي امبراطورية بسبب سعة معاجمها ومترادفاتها وقدرتها على النمو، وقد كتب بعض هؤلاء نصوصاً بالعربية لأنها كما قال الفرنسي أندريه مايكل تعبّر عنه أكثر من لغته الأم .
وكان عمدة المستشرقين الفرنسيين جاك بيرك قد وصف اللغة العربية بأنها ممهورة برسالة كونية، لكن أبناء هذه اللغة منهم من يرطن بها الآن، ويرفع مفعولها وينصب أو يجر فاعلها، ومن يخجل من اسم أمه فيسمي ابنته بأسماء من خارج هذا التراث كله، لا نستغرب حين نجده يخجل من لغته ويتكلّم بسواها، لا في المحافل العلمية أو المناسبات الدولية، بل في المقاهي على أرصفة الشوارع العربية، وفي الأسواق ودوائر العمل، وكأن اعوجاج اللسان وحده يكفي لتمييز فرد على آخر من بني جلدته .
فالألمان والفرنسيون والإيطاليون والإسبان منهم من يتقن الإنجليزية لأنها شرط للتخاطب في مجالات عديدة، لكن هؤلاء لا يخجلون من لغاتهم، بل ينظرون إليها بقداسة، وهناك مثل فرنسي يقول ما ليس فرنسياً ليس واضحاً .
إن سبل الدفاع عن هذه اللغة الخالدة متعددة وليست حكراً على المشتغلين في حقولها، سواء في الجامعات أو المعاهد المتخصصة، فالمذيع العربي له نصيب من المسؤولية لحماية هذه اللغة، وكذلك الصحافي والكاتب والخطيب، لكن ما يحدث الآن هو تدمير علني لكل قلاع هذه اللغة، بحيث نقرأ على أسفل الشاشات كلاماً لا يمكن وصفه بأنه من هذه اللغة، كما أنه ليس من أي لغة أخرى، فهو مجرد تأتأة أو مومأة أو ما شئت من التسميات، لكنه ليس كلاماً بأي حال .
وحين تكون أسماء المقاهي والمطاعم وقوائم الأطعمة والأشربة بلغات أخرى في عقر هذا الوطن العربي، فإن المسألة تصبح أشد خطورة مما يعتقد الخواجات الجدد، فنحن لا نقرأ أسماء من هذه اللغة لمطاعم في روما، أو فنادق في باريس، أو محال في لندن ونيويورك، لأن تلك الشعوب تعتز بموروثاتها القومية وبرموزها، ولا أظن أن فرنسياً يطلق اسم فلوبير أو مونتسيكيو أو روسو على محل لبيع الأحذية كما نفعل، فأسماء مثل ابن خلدون والمتنبي وأبي نواس تطلق في عالمنا العربي على حانات ومحال للأثاث المستعمل، لأن الأسماء انفصلت عن المسميات في هذه الحقبة التي تشهد اغتراباً غير مسبوق، سواء عن الذات أو عن الجذور .
وما يثير الاشمئزاز ولا نجد كلمة بديلة لهذه هو السخرية من اللغة الفصحى في مسرحيات كوميدية، ضاقت الدنيا والموضوعات بمن يؤلفونها، فاتجهوا إلى أعزّ ما نملك كي يحوّلوه إلى مثار للضحك الجاهل والسّخرية المجانية، وعبارة أعز ما نملك كان قد أطلقها فيلسوف ألماني على لغته، لأنه يرى أن اللغة تفكّر لنا أحياناً، ولكل مفردة من مفرداتها تاريخ نفسي واجتماعي وسياسي . فهل سيأتي يوم يصبح فيه القابض على لغته كالقابض على جمرة؟ مادامت العروبة قد تعرّضت لكل هذا الرجم والاعتداء السّافر، واللغة هي عمادها ولسانها ورمزها .
ما الذي نفعله في يوم عالمي يخصّ لغتنا؟ هل نحتفل بها ونحن نتكلم لغة سواها؟ أم نصدّق أعداءها المتضررين من جذريتها في وجداننا القومي ونرطن بها في مناسبات الأعراس والعزاء؟