قَلْبُ القلب

يوسف أبو لوز

* دار الخليج









يقف على رأس جبل نيبو، ويرسل بصره إلى الغرب . . إلى نقطة جبلية بعيدة تتلألأ منها أضواء شاحبة هي الأضواء المتبقية من الأفق البعيد، هناك، حيث مدينة القدس التي كما يقول المثل الشعبي: “على مرمى عصا”، أي أنها قريبة، وهو مجاز شعبي جميل، ولكن ليس له أي قرائن على الأرض، فالقدس بعيدة، وأكثر من ذلك وحيدة ويتيمة ومقطوعة من شجرة كما يقول أهل الأرياف، أي أنها بلا عزوة وبلا أهل يستردون كرامتها الملقاة في الغياب والإهمال .

يقف على رأس الجبل، ويدوخ رأسه في هذه الرؤية الصوفيّة إلى حدّ ما .

من هنا، من هذه القمة الجبلية يرى الغور ويرى البحر الميت وأطيافاً بعيدة من مدينة الكرامة التي تمرّغ في ترابها أنف الجيش “الإسرائيلي” في عام ،1968 ومن هنا، بدءاً من هذا الجبل، ينحدر إلى البحر طريق لولبي جرى تعبيده خصوصاً لبابا الفاتيكان الذي زار المنطقة قبل سنوات، وأعطى بركته للمكان الذي تحوّل إلى ما يشبه المعبد .

يقف في مسقط رأسه، فقد وُلِدَ هنا، غير أنه الآن في الخمسين من عمره، والجبل أيضاً في الخمسين من عمره، فللجبال أعمار وأسماء وذاكرة، ولكن الزمن لا يرحم . الزمن ضد الذاكرة، أو أن الزمن هو قبر الذاكرة، فها هو غريب والجبل غريب . غريبان التقيا بعد خمسين عاماً . دبّ الشيب في رأس الرجل، ودبّ الشيب في رأس الجبل، فلم يتذكر أحدهما الآخر، إلا القدس . إلا القدس . هكذا أخذ “يهوجس” مع نفسه، فما من زمن مهما كان جاحداً بإمكانه أن يحذف مدينة الروح والتاريخ من الذاكرة . صحيح أنها يتيمة ومقطوعة من شجرة، ولكنها في القلب . هكذا يقول الشعراء والسياسيون والوجدانيون والأبطال والسادة الكبار والسادة الصغار . . كلهم يقولون إنها في القلب، ولكن أي قلب هذا يحمل مدينة، وهو قلب منقسم . قلب الشقيق الذي

ضد الشقيق، وقلب التاريخ الذي ضد التاريخ . . أي قلب عربي هذا؟ . . القلب العاجز والمرمي في غرفة الإنعاش ولا ينتعش .

يقف على رأسه . .

يرى الأرض والدنيا والناس والتاريخ من تحت . .

يرى بطريقة أفقية سطحية أرضية . هذه طريقة مثالية للرؤية بل للحياة، أن ينقلب القلب على القلب، وأن ينقلب المكان على المكان، فيصبح موقعاً للسياحة أو للحنين .

تباً لحنين كهذا . . تباً لقلبٍ كهذا . . قلب مقلوب ومغلوب .