|
|
الدار التي وعد بها طاغور
مقال حسن مدن
* دار الخليج
يذهب شاعر الهند وحكيمها الكبير طاغور إلى أن كل ما فعلته حضارة الحجر أنها دمرت الإنسان، وكي “تتأنسن” البشرية من جديد عليها التحرر من جملة المصادرات التي اقترفتها هذه الحضارة لحريات الإنسان .
لكن الحديث يجري غالباً عن الأسوار الخارجية التي أقيمت لتقييد هذه الحريات أو منعها، ومن النادر أن يجري التوقف أمام القيود “الداخلية” التي أقامها الإنسان داخله فأطبقت عليه الخناق .
البشر ليسوا ضحايا السجون المادية والموضوعية التي قد يعرفونها أو لا يعرفونها فحسب، بل إنهم ضحايا سجون وأسوار يشيدونها داخل ذواتهم على شكل مركبات من الأنانية وحب التملك والارتكاسات القمعية المكتسبة
وأي مشروع تحرر لا يستهدف إلا كسر القيود الخارجية محكوم عليه بإعادة تشييد سلسلة جديدة من السجون، لأن الأسوار الداخلية أكثر مناعة وتأثيراً من الأولى .
هذه العودة إلى “داخل” الإنسان أو إلى ذاته أضحت مظهراً من مظاهر الاتجاهات الفكرية والفلسفية الجديدة التي تنبهت إلى أن العقلانية الفجة بكافة مظاهرها إذا انصرفت إلى الخارجي أو الموضوعي، فإنها صادرت قسطاً كبيراً من قدرات الإنسان وحرياته .
لذا يجري التأكيد على تحرير الذات من القيود المنيعة التي نسجت حولها، وليست هناك مفارقة في أن تجري العودة للفلسفات الشرقية التي كانت أولت العالم الروحي، الداخلي، للإنسان اهتمامها الأكبر .
وحتى مفهوم الاغتراب، الذي هو إحدى ثمار الفلسفة العقلانية منذ هيغل ركز على اغتراب الإنسان عن الأشياء من حوله، عن العمل وعن السلعة وسواها، ولم يكترث، كما يليق، باغتراب الإنسان عن الذات، على النحو الذي تصورته بعض اتجاهات علم النفس .
ولو تأمل المرء في حياته للاحظ أن هذا الاغتراب عن الذات، أو قل هذا القمع الداخلي لها يضاهي القمع الخارجي لها، فبينما تتحول الأشياء من حولنا وتتراخى صرامة القيود الموضوعية، تزداد القيود التي سبكناها نحن داخل ذواتنا قوة وتماسكاً، فتعيقنا من الانعتاق، من الجرأة ليس فقط في السلوك الشخصي، وإنما عن تفهم سلوك الآخرين والتسامح مع رغباتهم، التي قد تكون رغبات مكبوتة في دواخلنا نكابر بتجاهلها .
لو تساوق الإنسان مع حريته التي جُبل عليها، لو ولج ملكوت الحرية الجميل بتفاصيله المدهشة، لرأى ما رآه شاعر الهند وحكيمها طاغور حين طفا بعيداً إلى مكان قصيّ، ودفع الباب الموصد في ذهنه فانفتح على دار خرافية .