|
|
بكائيات بابلية
خيري منصــور
* دار الخليج
منذ جلجامش لم ينقطع خيط الدمع، فالأسطورة في بلاد ما بين نارين امتزجت بالتاريخ عندما صارت النار أنهاراً، وليست صدفة أن تكون حقول القصب في أهوار العراق منجماً للنايات، والناي لكي يغني، عليه أن يفقد أحشاءه وإلا كان توأما للعصا .
عندما زار ويل ديورانت أرض الرافدين ملأ قبضته من ماء دجلة، وأوشك على البكاء وهو يتساءل هل شربت حدائق بابل المعلقة من هذا الماء؟ لكنه استدرك على الفور متذكراً عبارة هراقليطس الخالدة وهي أن النهر لا يُقطع مرتين، وكأن شعراء الرافدين ومن أفرغ القصب أحزانه في أصواتهم كانوا يتنبؤون بما سوف يجري .
فالمسرح العراقي تراجيدي بامتياز، وما الكوميديا سوى جملة معترضة هنا وهناك، وأحياناً تكون على طريقة شر البلية ما يُضحك .
وما قرأناه من نزيف الذاكرة العراقية سواء في الوطن الذبيح من الرافد إلى الرافد، أو في المنافي التي تجاوز عددها الثمانين، يوجعنا كثيراً ويشعرنا كعرب بالتقصير، تماماً كما أحس العرب ذات يوم إزاء الجزائر وجميلاتها العديدات رغم أن واحدة منهن هي الأشهر .
لقد بلغ الأسى بالبياتي أن لعن الدنيا ووصفها بابنة كلبة، لأنها أشبعت الناس موتاً وغربة، وما يرشح من دموع في قصائد السياب ينافس ذلك النهر الصغير (بويب) وهو الذي قال “ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع” وتحولت قصيدته “أنشودة المطر” إلى صلاة استسقاء في عالم من اليباب والجدب .
إنها أحزان منقعة في دم مُعتق منذ بواكير الزمان، فأسد بابل امتطاه الغزاة بلا أية روادع، وكررت الفضائيات المشهد بلا أية روادع أيضاً ما دام الزمن كله قد أصبح زمن احتلال واستباحة، وما يقوله علماء الاجتماع عن الأدب بوصفه أحياناً وثيقة وجدانية قد يصحّ على العراق أكثر من سواه . وإذا كان هناك مؤرخون لاتينيون حاولوا كتابة تاريخ المكسيك تحديداً من خلال الشهادات الأدبية، فالعراق أولى بهذا التأريخ .
فمن شاهدوا ما جرى قبل أكثر من سبعة عقود مثل ابن الأثير كتبوا بالدمع لا بالحبر، وتمنوا لو أن أمهاتهم لم تلدهم كي لا يروا مآذن من جماجم الناس، حين قرر المغول إفراغ ساديتهم الوثنية في ذلك الماء النظيف .
وليست الشحنة الكربلائية وحدها ما يرشح هذا الغناء الشجي لأن يكون غابة من النايات، فالعوامل كثيرة، والغزاة كثيرون، لكن الرهان على البقاء هو أكثر الأوتار المشدودة على جذع النخلة الأبدية، بحيث تحول الجرح إلى فم بليغ كما قال الجواهري ذات يوم في رثاء شقيقه .
ولم تكن الأسطورة التي مهرت كتاب الطين خضراء وبلا دماء . . فالفتى تموز عليه أن يقبل قدره فيبقر الخنزير البري بطنه كي يسيل منه الدم وبالتالي يعم الخصب ويأتي الربيع .
كان العراق أرض سواد لفرط اخضراره، والآن تقرع الأجراس منذرة بالظمأ، بحيث لا يسلم حتى النهر من عطش قادم، فكيف تحول سواد الخضرة إلى حداد؟ ولماذا تولى القصب مهمة الغناء بدلاً من سعف النخل وندف الياسمين أو الرازقي على شرفات مهجورة؟
العراق ليس مشهداً سياسياً فحسب، وليس صراعاً بين طوائف أو مسرحاً لسيارات مفخخة، إنه كتاب العرب منذ الطين حتى الإنترنت، ومن راهنوا على حذفه تورطوا به لأنه هو الذي يحذف غزاته في كل أوان، وهذه مناسبة لتذكير من نفضوا أيديهم من العراق الذي كله عراق وودعوه بأنه قادم مع كل برعم وفسيلة وصرخة وليد، وابن نصر القيسراني الذي أرسل ذات يوم برقية شعرية يقول فيها: “أرى خلل الرماد وميض جمر”، تحدث بلسان أحفاده أيضاً، وخلف هذه البكائيات البابلية وحقول القصب المفعمة بالشجن عراق يولد من رحم العراق ذاته . . فالأسطورة عندما تفيض تصبح تاريخاً والتاريخ عندما يفيض يصبح أسطورة .