3 مبدعين في مجموعة واحدة
"مشهد في رئتي" تترجم بياناً في الحداثة الشعرية
تشير الدراسات الأدبية إلى أن أول مجموعة شعرية مشتركة، صدرت في الغرب، ألفها كل من كولردج وورد زورث، كما أن مجموعة الشاعرين السوريين أورخان ميسر وعلي الناصر “سوريال” صدرت في عام ،1947 تعتبر من المجموعات الشعرية المشتركة الأولى عربياً . عرفت الإمارات عدداً من الجماعات الشعرية التي أصدرت لها نتاجات مشتركة وإن في أطر النشرات كما هو حال-النوارس- ورؤى- إلخ، واتخذ بعضها الآخر طابع الكتاب المشترك، وثمة أمثلة على كلا الضربين في الإبداع الإماراتي، حيث تم جمع أعداد من الشعراء في كل مرة في إهاب مطبوع واحد .
تأتي أهمية المجموعة الشعرية “مشهد في رئتي” وإن كانت مسبوقة بتجارب ثنائية أو ثلاثية أخرى إماراتياً، من أنها إحدى المجموعات التي تربط بين مبدعيها رؤية مشتركة، حيث إن كلاً منهم يكتب قصيدة النثر، بل إنهم قبل كل ذلك من جماعة “الشحاتين” بالإضافة إلى أنها صدرت رسمياً، وكتب لها الانتشار على نطاق دائرة لابأس بها من جمهور القراء .
ويمكن تناول هذه التجربة المتميزة في الشعرية الإماراتية -بحق- من خلال وجهة نظر وحيدة، وهي أنها ترجمة لرؤية خاصة للشعراء الثلاثة أحمد العسم وهاشم المعلم وعبدالله السبب، الذين أرادوا من هذه المجموعة أن ينقلوا هاجس الحداثة إلى رئة المشهد الشعري كاملاً، وهو ما يفسر نزوع هؤلاء الشعراء إلى تحدي الأدوات التقليدية، بعامة، من خلال أصوات ذات قواسم مشتركة، كما أن بينها نقاط اختلاف، بحسب خصوصية كل صوت على حدة .
استطاعت هذه المجموعة أن تواصل الحفر مع غيرها من التجارب المماثلة، والسابقة عليها، أو المصاحبة لها زمنياً، رمي حجرها في بركة الماء، لتلفت النظر إليها، مرة تلو أخرى، كما فعل غيرها، ليكون الكتاب أول تجربة جماعية تأتلف في ترجمة بيانها، على نحو غير صارم، يترك لكل مسهم في هذه الترجمة، أن يبعث صوته في الاتجاه الذي يريد، على اختلاف طريقته، ماداموا مسكونين بهاجس التجديد، ليكون كتابهم-هذا- إحدى المحطات المهمة في تجربة الكتابة المشتركة الإماراتية .
جاء اسم الشعراء الثلاثة على الغلاف الأول للمجموعة في شكل دائري، وبطريقة تثير الدهشة، وكان من الممكن إدراج هذه الأسماء في شكل مثلث،على اعتبار أننا أمام أسماء ثلاثة شعراء، وقد يكون كل منهما ضلعاً في هذا الشكل الهندسي المفترض .
يصر هاشم المعلم على التقاط الصورة المدهشة التي تتساوق مع عالم-الكتاب- وإن كان حاضراً-دائماً- في خطابه، سواء أكان ذلك من خلال ضمير المتكلم “أنا أونحن” وإن كان حضور عنصر القص لافتاً في نصه “عصفور أحدب”:
في بيت صديقي
عصفور أحدب
كلما وجدتني خلف قضبان القفص
أطال النظر في وجهي بألم
ومرة
قال لي:
إن هذا العالم يحتضر
ولا أحد يشعر بحرائقي
لذا
امنحني بهدوء طلقة الرحمة
أنام ملء جفني
فإن روحي طائرة ورقية
بحلق جاف
وعينين زائغتين
تأملته
وكنهر كسيح
قلت: يا رفيقي
أنا لم أخلق
كي أقتل الكائنات الصغيرة
دلفت
خارج وجهي
وبكيت
ثمة عنصر الحكي يبدو لافتاً، وإن كان يقدم في إهاب شعري، قوامه الإيقاع الداخلي الذي ينتج من علاقة الكلمة بغيرها ضمن الجملة الشعرية، التي تأتي مختلفة من خلال بنائها .
وإذا كانت عبارة “العصفور الأحدب” تعيد إلى الذاكرة اسم مسرحية محمد الماغوط، فإن أنسنة هذا العصفور، ومشاهدته للمتكلم-الراوي- وهو خلف قضبان القفص، وإطالته النظر في وجهه بألم، ومحادثته إياه، وتقويمه-بل تقويله- لتحديد مصير العالم الآيل إلى هلاك، والحديث عن روح هي طائرة ورقية، والنهر الكسيح، ترتفع عن لغة السرد، وهو ما ينطبق على نص آخر هو “جمعة” الذي يدفع بالشاعر إلى أن يلجأ إلى أدوات قد تتحاشاها القصيدة الجديدة، ومنها أداة النداء “أيها” لما فيها من مباشرة،يكتشف القارىء أن دافعه إلى ذلك يأتي لأن له أخاً “يموت ببطء” يقول:
أيها العالم
إن لي أخاً
من لحمي
ودمي
تربطه علاقة وطيدة بالأشجار
نادلي المقاهي
الأرصفة
الشوارع
بائعي الهدوء
ماسحي الأحذية
السماسرة
البوليس
الكائنات اللاناطقة
صديق كل الحيوانات
ولا أحد يشعر
أنه كنسر مريض
“وأنه يموت ببطء”
فوق سفح
أحد الجبال
الشاعر اعتمد -هنا- على الدفقة الشعورية، وهو يتناول أخاً من لحمه ودمه، له كل الصفات الجميلة، من حب للأشجار، والبسطاء، والحيوانات، وأن أحداً لم يكترث له، ولاسيما أنه يموت ببطء-كذا- فوق سفح أحد الجبال . كما أن كلمة “المرض” تتسلل -مباشرة- إلى نصين تاليين، هما “رغبة” و”صرير” الذي يهديه إلى عبدالله عبدالوهاب، ويبدأ نصه بأداة النداء “يا” لنكون أمام شخص آخر أكثر قرباً يقول:
يا رفيقي
في هذا الشارع الذي أقطن فيه
المرض شيء عادي
ونافذة واحدة جديرة بالتحديق
الليل طويل القامة
واليأس هو الآخر
في زاوية منكفئ
يمضغ إبهامه
الفضاء مليء بالصرير
غبار مضيء
وعواء بنات آوى الطويل
البيت يرتعد
ويداي جد قصيرتين - 3
وتأتي مساهمة أحمد عيسى العسم التي تأخذ نحو عشرين صفحة من الكتاب، تحت عنوان “ضجيج” وإن كانت اللوحة-لوحة المساهمة-وهي أيضاً منفذة بالحبر الصيني “شأن سائر اللوحات الداخلية للمجموعة” تظهر فيها فتاة وهي مستكينة، منهدة، ويقدمها هكذا: إلى صديقي/ صديقنا/ صديق البحر/ إلى/ أحمد سالمين ناصر/ “ليأخذ اسم المهدى إليه شكل قوس- والقوس جزء من الدائرة-وليس الإهداء أو اسمه، ليركز على العنوان الذي أخذته المجموعة” مشهد في رئتي الذي يتوزع إلى عناوين فرعية عدة، لنكون أمام حضور الذات من خلال ضميرالمتكلم منفصلاً، أو متصلاً، يقول في نص “فاتحة”:
أنا
ويضع مصابيح كسيرة
راودها الانطفاء
أشعلنا أول لفافة
قدنا الريح، وهيأنا النية
واسعة رغبتي وفضفاضة
كقميص نوم
أراني متسعاً، شاسعاً، أحضن الأرصفة
مهمل
اعتدت على الاتساخ .
تبدو نصوص العسم هذه أشبه بالقصاصات الورقية التي دونت عليها حكم وملاحظات، تتم كولجتها على شكل قصائد نثرية مضغوطة:
لا حيلة لي
في زمن أنفض غباره
لا حيلة لي
في ورق أئده كي لا يأتي بعاره
كم أنا متعب، وخرائبي، “تجره” عربة
. . . . . . . . . . . . . .
كلما أشعلت مشهداً
انطفأ آخر
ويصلح نص ضجيج الكوابيس للعسم، الذي يقدم له بعبارة “توحدت الانفعالات فاشتعل رأسي بالحرائق” ليكون مثالاً عن النصوص المطولة لديه، وإن كان الشاعر قد قسم النص إلى ثلاثة أجزاء، تبدو الذات محورها، وإن كان هو الآخر يلجأ إلى الخطاب:
وجهي سفر دائم، للشحوب، والقرطاس
هنا
في زاويتي
يتسلقني التعب
وكوابيس شرهة
أنفث أرقاً
يهيئ طعنات أنيقة
ثم يتركني للانطفاء
يتلبسني انفعال
وقلق الرعشات
أشيخ
وأشيخ وأشيخ
أشيخ وأسقط
. . . . . . . .
أيها النائمون
أيقظوا البحر كي لا يبلغكم صراخي
هنا وحدي . . يتوعدني في الظلام، ويهجرني النعاس
إذا كان النص الحديث هو احتفاء بالذات، وتناول لجزئياتها، وتفاصيلها الصغيرة، كما أنه يبتعد -ما أمكن- عن أدوات القصيدة التقليدية، فإن أداة نداء البعيد-أيها- وفعل الأمر الموجه إلى جمع المخاطبين، وكاف الخطاب، كلها أدوات عرفت بهيمنتها على النص الخطابي، وباتت تظهر بين الفينة والأخرى في النص المكتوب تحت هاجس التجديد أيضاً . كذلك، فإن العسم-شأن المعلم- يلجأ إلى عالم المفارقات، إما عن طريق وضع المفردة في غير مكانها، وإما من خلال استخدام صورة تقطر كاريكاتيرية .
وتحت عنوان “قميص” تأتي مساهمة الشاعر عبدالله محمد السبب الذي يفتتح لهذه المشاركة بعبارة هي “الحب- أشد برودة- من الموت”، التي لا يذكر اسم قائلها، بل يترك نقطاً متتالية في موقع التوقيع، كي تظهر لوحة- بالحبر الصيني أيضاً- منها بعض من رقعة شطرنج تالف، ومستطيلات، تشكل فضاء لتلك الرقعة، كي نكون أمام صفحة تمتلئ بمفردات جديدة هي: فضاءات/ الواحدة التصاقاً/ آمنة/ أو صدفة اليانصيب . . تقريباً: يعني المصادفة طبعاً، لا الصدف -بفتح الصاد- وليكون القارئ في مواجهة صفحة أخرى، يبدؤها ب”القادم شمالاً/ نحو بيادر الحلم/ روليت/ إهداء/ أهواء/ أهوال/ أحوال/ أموال/ أميال/ أجيال/ إجلال/ إجلاء/ أجواء/ أحياء/ حياء/
حواء
هواء
أهواء
إهداء
كي يربط بين مفردات -تبدو عشوائية للوهلة الأولى- إلا أن علاقة الإهداء والأهواء والأحوال ومن ثم “حواء” و”الهواء” ببعضها بعضاً، تجعل المتلقي يتأكد أنه أمام معجم مفردات ذي دلالة خاصة، كما يمكن قراءته على ضوء الكلمات المرسومة .
أول نصوص مساهمة السبب بعنوان “هجرة” الذي يهديه إلى “الرمس” أو “الصهيل” يقول فيه:
تباشير رجل من برج الصوم
إلى سنبلة الشعر
زغرودة بوح في مسار الابتعاث
إلى امرأة
من سلالة البحر
والتمر
والطين
امرأة
من سلالة الماء والصهيل
إلى سيدة الجهات “الأربع”
والعشرين
حبيبتي
آمنة
“أقرؤك” الغرام
وشيئاً آخر لا ينام
ليضع في أسفل القصيدة-شرحين للرمس ولآمنة، فالأول: مدينة المسك والنسك والنسل والمطر-مسقط رأس الشاعر، وآمنة: عندلة السر، والسيرة، والمسيرة
السائرة
عندلة البحر، والحبر، والحب
بوصلة البيت، وبصيرة الكهرباء
آمنة
الطرف الآخر . . في السهر
ولا يزال السبب يجهد في إيراد المفردات المتشابهة، وعن طريق التداعي والاستطراد والاستحضار معاً، ويحاول أن يبتعد عن الوقوع في شباك قسرية ترادفها إلى جانب بعضها بعضاً، ليحافظ على الجو السوريالي الذي يتناسق ومناخ الكتاب .
إن إيراد الشاعر مكان وتاريخ ولادته، بل عنونة أحد نصوصه باسم “سبب”، يدل على أنه يتناول عوالمه الذاتية، خلال بعض نصوصه، حتى إن لم يصرح بمثل تلك الضمائر التي تظهرفي بعض نصوص زميليه الآخرين يقول:
لأن
لأنك
لأنك تحبين
لأنك تحبين الشعر
لأنك
لأن . .:
لأن السماء تمن علي بك
ترتب عقلك، وتربت على قلبك
لأن المساء يحفني بك
يحتفي بي، ويحتوي الحافلة
لأن النساء يغدقن علي بك
يمنحنني السفينة
ويتطايرن
فراشات ودخان”اً”
لأن
لأن
لأن
أمنتك
أمنتك
و . . . .
-آمنت بالله-
* بناء هندسي
واضح أن السبب اعتمد هندسة زخرفية معينة لبناء قصيدته، بدأت بمفردة باتت تتكرر في مطالع الأسطر الأولى، لتضاف إليها، وفق إيقاعه النفسي مفردة مرة، ومفردتين مرة أخرى، كي يعود النص إلى حالة انطفاء، وتلوح فراشات ودخاناً، وتختفي ملامح ما بعد ركيزة الجملة اللازمة-لأن- ولنعود إلى جملة أمنتك التي بالرغم من تكونها من فعل وضميرين متصلين أحدهما فاعل والآخر مفعول به، فإنها تقترب من اسم “آمنة” الذي يركز عليه الشاعر في أكثر من موضع . وإن بناء النص هنا-يبدو- أبعد عن الدفقة العفوية التي كان يتركها زميلاه على سجيتها، من خلال إخضاعه-في بعض الأحيان- لمزيد من القسر والبنائية الصارمة، وفق تصور جمالي محدد لديه .
وفي نص “شرفة” الذي يهديه إلى “موزة” مزون، وما بينهما “محمد” الأصح من بينهما ماداموا أسماء علم
ثلاثية الماء، والهواء، والهدنة الهادئة
فرس، فراس، فراشة
ثلاثية القلب والقبلة القائلة
إليك
في
19-10-1995م
27-5-1996 م
19-2-1998 م
إلخ
يواصل الشاعر التلاعب اللفظي، وإن كانت الأسماء المتناولة-كما يفهم- وفي ضوء تواريخ زمنية محددة “استخدمها الشاعر الجديد”، وهي تكون هنا، ما يشبه دفتر العائلة، وإن كان اسم آمنة- قد تكرر أكثر من مرة .
وفي نص ماء الهواء/ هواء الماء “وصلة شتائية” -شاهدة- تتكرر لديه ما ظهر في أحد نصوص العسم من مفردات الوجود، حيث لا ينسى إيراد كلمتي “الشمس والسماء”، لتطغى الفكرة على النص، وإن كان يحاول الحفاظ على بعض الدهشة:
أنا لم أعد أذكر
أن لي نبضاً
ينقصه جسد، وجمجمة
ودفء امرأة
إني هناك
ما زلت أحترق
ما زلت أحترق
ويجي الولع في إيراد الكلمات المتشابهة الحروف، لفظاً وكتابة، أو معنى ودلالة، ولو عبر لا منطقية الاستخدام في بناء السطر أو النص، هاجساً واضحاً يسم نصوص الشاعر:
وأعلم أن السماء
لا تمطر ذهباً أو فضة
ذهب الذهب
وصارت الفضة فضاء
فضفاضاً
وفوضوياً .
ولقد سمى الشعراء فهرست كتابهم ب”ذاكرة المشهد” وليثبت على الغلاف الأخير نص بعنوان “مثوى لكل من العسم والسبب من دون المعلم، يتضمن بدوره نصين فرعيين، كلاهما بعنوان” إيزيس وتضمن أحدهما مقطعاً من قصيدة الشاعر بول شاؤول من ديوانه “وجه يسقط ولا يصل” وهو يكاد يكون مختلفاً عن مناخ المجموعة كاملة:
من يحمل الوردة الأولى ويصوب بندقيته نحو القمر
شربت، وشربت، وشربت
حتى أويت إلى ذاكرتي
وأوشكت ألا أنام .