|
|
درس من حكايــة مكافـح ناجـح
بقلم الزميلـــة / ريــّـا المحمـودي
* دار الخليــــج
“يروي الدكتور علي عثمان في سيرته “طالب فلسطيني” كيف أن والده باع جزءاً من أرضه لكي يعلمه، وكيف أن أهله كانوا يشترون الملابس أكبر من حجمه بمرات حتى تكفيه لأطول فترة ممكنة، وكيف كانت والدته تخيط له حقيبة المدرسة من أي قماش متوفر، وكان والده يعنفه عندما يطيل في الدراسة ويستهلك الكاز فيخرج إلى الشارع لعل القمر يتعاطف معه وينير له ليتمكن من إكمال استذكار دروسه، وبالرغم من كل هذه الصعوبات خرج ابن القرية ليتعلم ويتحدى أبناء المدينة ويتفوق عليهم،، فصمم ذلك الفلاح على النجاح وحصل على الدكتوراة، واستقبله أهله استقبال الفاتحين وتنقل في المؤسسات التعليمية والدولية ومن ورائه آلاف المتعلمين من أهل القرى، ليصبح شخصية بارزة أشهر من نار على علم” .
إن قصة هذا المكافح تحمل معنى آخر في حرص الجيل المعذب الفقير على اكتساب العلم لأنهم رأوا فيه يوما ما هو أهم من الأرض والغذاء واللباس، كان العلم هو سبيل النجاة من كل الشرور، وأنتجت قلة ذات اليد أجيالاً وأعداداً من الأساتذة والأطباء والمهندسين، تلك النخبة التي احتملت شظف الحياة هي التي أنتجت بعض ما تنعم به أجيال الحاضر من الرخاء والتقدم، هذا الجيل الذي أسرف العديد منا في تدليلهم والإفراط في توفير كل متطلبات الحياة ووضعها تحت أقدامهم فقط لأن الآباء والأمهات يطمحون إلى أن يوفروا لهم كل شيء معودين بذلك التصرف أبناءهم على الراحة وحياة البذخ والترف، فعندما قرأت قصة الدكتور عثمان جلست أفكر طويلاً وأتذكر أبناء من حولي، فهذه تسافر إلى الخارج لتحضر لابنها شنطة فاخرة وغالية الثمن لكي يكون مميزاً في المدرسة، والآخر يدور يمنة ويسرة من أجل أن يوفر الإكسسوارات الملائمة لابنته من أجل أن تكون هي المتميزة بالأناقة في المدرسة، وغيرها ممن يخيط ملابس أبنائه عند الخياط الأغلى في الفريج من أجل التباهي والتفاخر، متناسين أن التدليل سبب لتدمير العقول والنفوس، وسبب لجعل هذه النفس البشرية غير مبدعة ومفكرة لمستقبل أفضل، كونهم لديهم الثروة والمال والجاه ولا يطمحون إلى المزيد .
ختاماً: أُذَكِّر كل من حولي بأن الحرمان يولد الإبداع والحاجة تلد الاختراع، إن لم نشعر أبناءنا بأهمية الدراسة وطلب العلم وحب التميز على أصعدة عدة، ضاع أبناؤنا أدراج الرياح، نعم أنا معك يا عزيزي القارئ في أن الحياة تغيرت والأساليب تبدلت ولا أقول لك احرم أبناءك من العيشة الطيبة، ولكن احرص على توفير الأساسيات واترك الكماليات لهم كي يجتهدوا في الحصول عليها، تجد في الختام أنك ربيت أبناء متميزين ومجتهدين ومشرفين لك ولدولتنا الكريمة . . وأنتم أهل لها أيها القراء الأعزاء .