المبتدأ والخبر

مقال المبدع حبيب الصايغ

* دار الخليــج





يبتدئ المبتدأ وحده، لكن يقف كالأبله في انتظار الخبر . هو لا يستقيم من دون رفيقه الأزلي . يبدأ المبتدأ، ثم يقف حائراً . ينتظر وينتظر، حتى إذا جاء خبره اكتمل أو كاد، وللشكل آفاق الشكل، كما أن للمضمون نقاط ضعفه وحلقاته المنكسرة أصلاً . بين المبتدأ والخبر يكمن سر القوة، لكن لا بد من طرف ثالث يطلق من معطفه الأرانب والحمائم وكلاب الصيد، ويطلق الأوابد والوحوش خصوصاً تلك التي لا تقبل الترويض .

ليس مطلوباً من الطرف الثالث أن يشهر مسدسه . ليس مطلوباً منه أن يقفز في الظلام وحده . ليس مطلوباً منه لزوم ما لا يلزم . الأساليب ممكنة والطرق قريبة، وعلى المتضرر معاقرة الجدران المرسومة في رمل الذاكرة، ومحاولة استخلاص نتائج لا تأتي في العادي والمتوقع . على المتضرر أن يلجأ إلى أقرب قمر، وأن يحدق بكل ما يمتلك من بصر وبصيرة في ضوء العتمة، محاولاً فك ما استطاع من رموز وطلاسم، نحو تحقيق الكشف الأخير . لم يبق في المآقي شيء من الصهيل، والمبتدأ لايزال في ابتدائه يفرك عينيه، ويزيل عن جبهته أتربة السنين، وينتظر .

يبحث المبتدأ عن الخبر المناسب . عن اللون والماء والظل . عن الضوء والحركة . عن الأغصان وباقات الورد، وعما تبقى في العيون من حلم، وفي الرؤوس من وهم .

فمهلاً أيها المبتدأ . لماذا تبدو دائماً عجولاً ومتهوراً؟ . . تريث، ولو قليلاً . خبرك آت، وعمرك المقبل آت، وقتلك يحلو مع مرور الوقت، فلا تفكر في التراجع والانسحاب . ليكن الاحترام وسيلتك وهدفك ومنهجك، لكن مع عمق تفكير وحسن اختيار . التهور، خارج الحكمة، انتحار، فقف قليلاً، وراجع نفسك . عد أيها المبتدأ إلى ذاكرتك، وأشعلها، واشتعل .

خبرك آت أيها المبتدأ في صورة الاسم أو العبارة . في شبه الجملة، وفي المفاجأة، وفي شبه المفاجأة . خبرك آت اليوم أو في غد وبعد غد، فعش في هدوء، ونم في هدوء، فالمعنى يا سيدي المبتدأ، لا محالة، إلى اكتمال .