عندما يحزم المسافر مكانه في حقيبة الذاكرة
جلال برجس
* الدستــور الاردنيـة
يلقي المسافر ، نظرته الأخيرة ، على جسد المكان ، كما لو أنه يود أن يلتقط باقي التفاصيل ويحزمها في حقيبة الذاكرة. تتسع عيناه ، كمدى رائق ، تتسع ذاكرته كسماء زرقاء بلا غيوم ، يصير المسافر وهو على أهبة الرحيل والغياب ، خارج المعنى العادي للكون ، ويلج معاني الحنين كلها دفعة واحدة. يقف كما شجرة تحاور الريحُ أغصانها ، وبصمت خفي يحاور أمكنته. تصير الأمكنة عصافير تحط على كتفيه وتخضبها بريشها الناعم ، تقف على هامته وتغرد كما لو أنها ولدت للتو ، بينما في روحه عصفور يذرف دمع الغياب. تصير الأمكنة في تلك اللحظة غيوما تتهاطل على جفنيه وتملأ مآقيه بالخدر. يقف المسافر في باحة الأمكنة ، تسرده القصيدة ، بكل سخاء ، بينما يرفع رأس قلبه للريح ويشهق بقامة الهواء ، وقد حزم المكان في حقيبة الذاكرة ولوّح بيده ، تلويحة الوداع ، ويغيب ، يغيب بينما المكان وراءه يتسلق خيط الهواء يود لو يطير.
(عند باب البيت ، عند باب الذكريات)
على شجرة في حقل الوقت ، علّقَ عمر الأربعين ، أرخى على جسد التراب حقيبة السفر ، وعاد إلى إيقاع اللثغة الأولى.
(1)
ثمة أصوات نسوة حوله يزغردن ، بعد أن ضربت إحداهن على ظهره بكفها وشهق بدفقة الهواء الأولى ، التي جاءت كمرور سكين حاد خاطف. ثمة امرأة قطعت حبله السرّي ، وأخرى بزيت الزيتون دلّكت جسده الغض ، بينما عجوز راحت ، تدعكه "بالعطرفان" ثمة نهد ألقمته لفمه امرأة هدها التعب ، وألم المخاض ، فهدأ بينما في باله مازال دفء الرحم ، مكانه الأول ، يلوّح له وينهره بالحنين.
(2)
من طاقة البيت ، الذي انداح به ظل شمس تموز ، رأى والده ، ومشيته تتهادى عبر الأفق وهو ببزته العسكرية قادماً من الجنوب ، كان يرتقي على كرسي ليطل من طاقة البيت ، بينما أخوته الآخرون تعربشوا الكرسي ، فرحين بعودة أبيهم ، اختل توازن الكرسي وهم يرونه يعبر الباب إليهم ، إذ عانق والدته ثم عانقهم ، بعد أن سقطوا عن الكرسي وضحكاتهم تمسح جدران البيت. بعد أن غفا والده ، راح يشم ملابسه التي كان لها عبق خاص ، بينما والدته تضحك ، وهي تشيعهم للعب في حوش البيت.
(3)
يحوم في البيت ، قلقاً ، بينما والدته تشغل نفسها برعاية شؤونها المنزلية. والده يجلس بظل شجرة العنب ، يدخن بتوتر ، إذ يلوح توتره وهو يطرد الصغار للعب بعيدا عنه ، وهو ينظر لساعته. حين شارفت الساعة على الحادية عشر صباحاً ، نادى بصوته الجهوري: هيا نذهب وما يريده الله نرضاه. في باحة المدرسة. اصطف طلبة الثانوية العامة ، بينما المدير راح يقرأ عليهم نتائج الامتحانات ، صرخ فرحاً بعلو صوته وهو يحتضن والده. في البيت زغردت والدته وهي تغالب دمع الفرح.
(4)
في غرفته ، اعتزل لأيام. قرب فراشه مسجله ، وكاسيتات لعبدالحلبم حافظ ، وتحت وسادته علبة سجائر يدخن منها سرّاً. على زجاج النافذة ينقر ولد الشتاء بأنامله المائية. كان يحدث نفسه بصمت: لم أرها هذا اليوم ، وقبل أيام قالت أنها ستبعد عني ، لأن مسافة بوسع الكون شيدها والدها بيننا ، ترى ما قالته حقيقي ، أم أنها تود أن تتحقق من مدى حبي لها. قرعت والدته الباب ، جلست قربه ، مسحت بيدها على رأسه ، وهي تنظر في عينيه اللتين أصابهما الذبول. قالت له: أنت عاشق؟ فارتمى في حضنها يبكي كطفل.
حمل حقيبته ، وعمر الأربعين ، تأهباً للرحيل بعد أن مسح المكان والمدى بنظرة عريضة من عينيه ، بينما المكان والذكريات يلوّحان له بالحنين ، وهي تُعلي من بيارقها في ذاكرته ، بينما صوت رجل في الأربعين يقرأ في دمه قصيدة:
"وحده الله
يعرف أن لي قلباً تدوخه البروقُ
ويُسكره الشَّجَنْ
وحده الله
يعرف أنني مذ (ملّحتني) الجَدّات ((بالعطرفان))
والملح
طاف - في وَجدي - الحصان بسُكْره
فأمعَن
بالصهيل
وأسرَف بالمحنْ
مجنونة هذي الرياح
تقرؤني تباريح الغياب
والغيم في ريقي
يجرّ بيادرَ الحاضرين في لغة يشاكسها الزمن ".
( عند باب الغياب ، عند باب الذاكرة)
هبط من بوابة المترو ، يرتدي معطفاً صوفياً طويلاً وينتعل حذاءً بساق طويلة ، يتقي برْد الثلج الذي ارتفع لمتر ، جسده النحيل غير معتاد على برْد تلك البلدان التي انتبذت في الشمال لها مكانا من البرد والصقيع ، داهمته رغبة بشرب فنجان من القهوة ، فعرّج على مقهى في طريقه ، جلس إلى طاولته ، أشعل سيجارة ، ومن جيبه أخرج آخر رسالة جاءته من بلاده ، قرأها للمرة المائة ، ثم حشرها في جيبه وراح يتذكر.
(1)
حلّ المساء على القرية التي اقتصرت على بضعة بيوت تتناثر هنا وهناك ، رأى أعمامه يتجهزون للذهاب إلى مكان ما ، قالوا له أنهم سيذهبون للبيدر ، عليهم أن يناموا قربه لحراسته ، فالموسم "غلال" ذلك العام ، ألح عليهم أن يذهب معهم ، إذ لصغر عمره رفضوا ، لكنهم قبلوا في النهاية لشدة رغبته. جهزوا فًراشاُ واحداً لهم الثلاثة ، ما هي إلا لحظات حتى راح أعمامه بسبات عميق ، بسبب التعب الذي داهمهم نتيجة اليوم الشاق الذي أمضوه في نقل المحصول من الحقل إلى البيدر. تسلّق القمرُ السماءَ فاستحالت الهضبة إلى صفحة من لجين ، بينما تناثرت النجوم كأنها حرّاس كونيّون. ظل يعد النجوم في تلك الليلة دون أن تداهمه فكرة الثآليل إلى ان غفا ليصحو صباحاً على صوت أعمامه وهم يغنّون أغاني البيادر.
(2)
عاد من مدرسته في أول يوم له من أيام الدراسة في الصف الأول الابتدائي.على جدار بيته القديم لامس لوح الطبشور خد الاسمنت وهو يرتكب أولى خربشاته كما لو أن عاشقا قبل ثغر حبيبته بشهوة أسطورية. كتبت وكتبت وكتبت إلى أن أقعى على الأرض يضحك بملء دمه لتطال ضحكته سماء قريته الرابضة على كتف الهواء. كانت أمه في تلك اللحظات تراقبه بتلذذ وهي تُعلي ابتسامتها فوق ذرى نشيج الفرح. تخيلوا كيف يحاول الواحد أن يعلن عن ابتسامة خلفها دمعة كبيرة . كانت تغالب نشيجها وهي تهمهم: لقد رميت بسرّتك في باحة المدرسة يا ولدي.
(3)
أمسك بيدها ، وسارا إلى غرفة الخزين حيث تُخزّن الحبوب ، كان قد أخبر أمه أنه ذاهب للعب مع أقرانه ، وهي أخبرت أمها أنها ذاهبة للعب مع صديقاتها ، على كيس قمح جلسا وهما يمسكان بأيدي بعضهما البعض ، أنفاسهما اعتلت وهما يقتربان بحيث إلتصقا. لم يكن يعلم أين يمكن أن يقبلها ، إلا أنها بادرت بذلك وقبلته على شفتيه حيث صار صدرها يخفق ليلتصق بها أكثر ، من الخارج سمعا صوت أمها تناديها وهي تفتش عنها ، اختبآ وراء أكياس الحبوب ، إلى أن اختفى الصوت ، ثم فرّا كل إلى بيته.
أفاق على صوت النادل وهو يعرض عليه أن يشرب شيئا آخر ، ترك المقهى وراح يمشي في باتجاه البيت عبر الثلج الذي ازدادت برودته مع حلول المساء ، بينما قلبه يهجس بالشعر:
" الجنوب بحر مواويل يوارب لثغة الذكرى
وذكرايَ بحرّ
يوارب
نايَ
الجنوب
لم يزل قلبي هناك - كراية
على جبل جنوبي
كلما تحسّستُ صدريَ
راحت يديْ باتجاه
الجنوب"