- أمازال؟
.. قالتها عبر أسلاك الهاتف عبر آلاف من الاميال
ورغم ان صوتها مر عبر مئات الجبال والبحور والكتل الهوائية
فهو يحمل عبقرية القرب فكأنها تهمس وكأني احس لوعة عينيها.
كلمتني وأنا بين فوج من الصبايا الحسان نمرح على شاطئ البحر..
ولم يكن غيري محط أنظار الجميع..لماذا.. هل لأني الأوسم أم الأشهر أم الأغنى؟
أبداً فأنا الصديق المريض.. المحتفى به إشفاقاً على وضعه الصحي المزري..فأنا في الحقيقة في مصح أمثل فيه دور الرجل السعيد..
وكلمتني وكنت أخشى ان تسمع الضحكات النسائية الصاخبة.
- أمازال حبك ساخناً؟ أمرتبك أنت؟ أتبحث عن إجابة دبلوماسية أمتوعك؟
- أم ان وقت مكالمتي غير مناسب؟
- أنا مندهش..مبهور..يتناصفني الفرح والحزن.
..كانت لغتها المتوهجة تهيمن على القلب تماما. فهي تمتلك مهارة الأم وهي تغني لوليدها ترنيمة حنونة..
لم اكن مستعداً لاستقبال شوقها واربكني وجودي بين جمع من الناس,كم تمنيت ان اكون منفردا..ارتبكت امام اسئلتها وارتجفت وجفت لغتي وسخن جهاز الهاتف في يدي وانتهت المكالمة.
ضاقت علي فضاءاتي من سماء وبحر وأصحاب وشعرت بثيابي أثقل مما يجب وساورتني رغبة في الهروب من الجمع الصاخب واستأذنت مفضوح الحركات فطاردتني ضحكاتهم كوخزات في اضلاعي..وفي شفتي واقدامي وساقي وحنجرتي.
هربت .. عدت لكآبتي.. أبحث عن القلب الذي أبثه أسرار احتراقي.
...............
واختزلت محطات الذاكرة وامسكت بالهاتف ولكني تسلحت بكبريائي المثلومة واستحضرت برودها وترددها والتفريط بحبي لها بحجج أعتبرها واهية تقليدية .. فكاد يتفجر الهاتف وأنا أهتف:
- أمازلت متباعدة؟
- لم أكن يوما ما متباعدة لكنني عاقلة..
- ألم يصل بك عقلك الفذ إلى دليل واحد بأنني أحبك؟
- أليس من حقي؟
- ألم تحسي موقد الجمر في قلبي؟
- نعم.. لانك لم تعبر دائرة الغزل ولم تتقدم خطوة فاعلة..او تريدني محطة احتياطية لإراحة عواطفك.. بعد تسكعها وتعثرها؟
- مازلت كما أنت .. تقليدية.. فأنت السكون وأنا العاصفة ولأن أيامي رمتني عند شرفتك فلا بد أن احطم ركام جليدك..
- كيف تحب كل هذا الحب ؟ وكل شيء فيك لا يشبهني؟
- لا جواب لدي.. سوى انني ازداد على ذلك إصراراً
- لذا فأنا كنت أرزن واعقل لاحتواء علاقة فاشلة قبل أن نمزق بعضنا بعضا ونهرب من بعض قبل مجاملات الزفاف..
- انت مخطئة فلا هندسة ولا قانون ولا باراسايكولوجي يتوقع ذلك..
مشكلتنا اننا نصطدم أولا لنتصالح بعدها.. أنا رجل أمقت الحب العاقل..
حب الحسابات..الذي يبدأ بضرورة تطابق صنف الدم والوضع المعيشي والسن واللون وبلد المنشأ والقومية وتقارب الابراج والهوايات والألوان المفضلة.
- إنك تعود بنا إلى البادية.
- ربما.. ولكن ليست البادية التي تسكن مخيلتك, مأخوذة بسلبياتها. الحرمان, والثأر وكبح الحريات؟
- أيها البدوي.. فقط أردت أن لا أورطك بتجربة فاشلة.
- اخطأت التبرير. كنت أريد أن أريك صفاء الحب البدوي كنت أريد أن أطرد وساوسك وأمراضك وخيالاتك المصطنعة.. أردت أن نعود معاً الى شفافية الانسان الى عفوية الحب الى أحضان الطبيعة.
- أردت أن اهرب بك من الجمال المصنوع بغرف الماكياج.. والنفس المخدرة المغررة بثوابت هذا العصر المزور.
انظري فالعيون مزورة والانوف مركبة والصدور مصنوعة والشعر مزروع, والابتسامة مفتعلة والمدينة معتقل. والحروب مفتعلة والموسيقى منتحلة والفواكه حقنت بالكيمياء وحتى غطاء أرضنا الحنون مثقوب وثقبه يتسع ويتسع.
- يا للشهامة يا للبداوة يا للعظمة.. اجئت تنقذني من شرور الكرة الأرضية كلها؟..
- وانت أنت وحدك وبمفردك.. فمن أنت قلي بالله عليك؟
- أنا انسان حالم بسيط, ومن أحلام البسطاء ابتدأت أفكار تغيير الكون
ألم يكن نيوتن إنسانا.. ألم يكن ابن الهيثم إنساناً.. ألم يكن اديسون إنساناً.. ألم يكن الفراهيدي إنساناً؟
- صدقتك ولكن بماذا ستبدأ التغيير وكيف, فأنا لازلت في التباس شديد.
- يا لك من ذكية ويا لي من مبتلى فيك..
إنني على القليل سأبدأ بلحم ثقب قلبك الذي خرقته مفاهيم هذا العصر الأهوج..
يجب أن أصلحه قبل الزواج.. هل فهمت.





( كريم العراقي