درسٌ من غاندي
مقال د. حسن مدن
* دار الخليج
ليس بعيداً عن حديثنا منذ أيام قلائل بعنوان: “لن نتحدث العربية”، استوقفني مقطعٌ من أقوال بطل استقلال الهند المهاتما غاندي، أريد أن أنقله لكم على جزأين .
في الجزء الأول يقول غاندي، وهو يحث على الانفتاح على الثقافات المختلفة: “لا أريد أن أسجن نفسي بين أربعة جدران، ولا أن أغلق نوافذي بالمصارع والستائر الواقية . أنا أحب أن تهب على بيتي، ومن الجهات كافة، ريح وروح جميع الثقافات، هبوباً يتمتع بأكبر قدر من الحرية” .
ولكن هذه الدعوة عند بطل المقاومة المدنية في الهند، الذي عُرف بإنسانيته وزهده وتسامحه، دعوة مشروطة بشروطها، فهو في الجزء التالي من المقطع، يلامس تحديداً موضوع اللغة القومية التي يجب أن تكون محل تقديس، فالانفتاح على الثقافات الأخرى ينبغي ألا يأتي على حساب المساس بشرط الحفاظ على لغة الأمة .
في الجزء الثاني من المقطع يقول غاندي: “غير أني مع ذلك، أرفض أن يتهجم عليَّ أي كان، وأن يغلبني في عقر داري، ثم إنني بالإضافة الى ذلك أحب أن أرى الشباب المتعلق بالأدب يخوض في تعلم اللغة الإنجليزية، أو أي لغة أخرى بإتقان، غير أني لا أريد لأي هندي من هذه الأمة أن ينسى لغته الأم، أو يهملها، أو ينتابه الخجل إزاءها، أو يعتبرها غير صالحة للتعبير عن أفكاره، وعن تأملاته الأبعد غوراً” .
هذا درس يقدمه لنا قائد استثنائي لشعبه، كان أبعد ما يكون عن التعصب أو الشوفينية أو التحامل على الآخر، عرف بانفتاحه على كافة الثقافات، بما فيها ثقافة البلد الذي استعمر الهند وسعى لطمس ثقافتها وتدمير هويتها الوطنية، ونعني به بريطانيا .
لكن غاندي وهو يحث على هذا الانفتاح، فإنه ليس مستعداً لإظهار أي مقدار من التهاون تجاه اللغة الأم لشعبه، التي يدعو أبناء جلدته للنظر إليها باعتزاز وفخر، وأن يكتشفوا ما تنطوي عليه من طاقات للتعبير عن أنفسهم وتطلعاتهم .
ثمة وعي زائف يتشكل في أوساط بعض نخبنا العربية اليوم ينقلونه لأبنائهم وبناتهم، فحواه أن التمكن من الإنجليزية أو الفرنسية وتجاهل اللغة العربية، لا بل واحتقارها، هو مظهر من مظاهر التمدن والعصرنة .
للتمكن من اللغات الأجنبية قيمة معرفية لا جدال حولها، فهي توسع الأفق والمدارك، لكن ما جدوى ذلك وحده، إذا كان ثمنه الانسلاخ عن المكون الرئيس لثقافتنا وهويتنا، ممثلاً في لغتنا العربية؟