|
|
كأنــي
مقال حبيب الصايغ
* دار الخليــج
كأننا في سوق المزادات، أو كأنما العد التنازلي قد بدأ .
وقديماً في العصر الحجري، لم تكن اللحظات الحجرية تحاصر الإنسان بهذا الشكل المفزع، لأنه ببساطة شديدة ومتناهية، لم يكن هناك وقت للوقت .
وبالرغم من أن الأحلام كانت جافة وناشفة وكأنها مقتدة من حجر، إلا أن الإنسان كان يفيق من نومه صباح اليوم التالي طازجاً ونشيطاً، ومستعداً لإزالة أي جبل يعترضه في طريقه، أو على الأقل، إزاحته قليلاً عن مكانه . لحظات من حجر، لكنها أرشق وألطف وأكثر حناناً .
إن أمنيتي منذ العصر الحجري حتى غد الأسرار أن أقرأ تضاريس الوقت على طريقة “بريل” بعد أن تعذرت الرؤية، وأصبح من المستحيل تمييز الأحرف عن علامات الترقيم، وعلامات الترقيم عن إشارات المرور، وإشارات المرور عن مانشيتات صحف القرن المقبل .
وأمنيتي أن أحب وقتي أكثر، وأن أتسلل إلى دفاتره المختبئة، لأتحول إلى كلمة أو نجمة أو وردة .
من قال إن القراءة علم معرفة الحروف والكلمات؟ . . القراءة يا سيداتي سادتي علم الاكتشاف المستمر، وقبله، علم اختراع الدهشة، لكن من دون مبالغة وابتذال . القراءة هي أن يتوحد القارئ بقراءته حتى يكونا شيئاً واحداً، وصيرورة واحدة، ومصيراً واحداً .
هكذا هكذا، ينحدر الغيم من أعلى الجبل إلى أعلى الرأس، ناشراً ذاكرة المطر في العيون والأكف والصدور والخرائط الملونة المنسية، وناشراً في الكتب المدرسية أسئلته القديمة المتجددة .
واضحاً واضحاً واضحاً كمنتصف الغموض .
كأن الكلام انتهى كله كله كأن الكلام
كأن التغني
كأن الحكاية قالت حكايتها والسلام
كأن التجني
كأن الغيوم تلاشت
كأن التراب
كأن التثني
كأن الخراب
كأن التمني
كأني أولد . ماذا؟
كأني قلت كأني .
كأني .