"نبوءات" القلوب الكبيرة
للمبدع حسن مدن
* دار الخليــج
يروي الكاتب الباكستاني المعروف إقبال أحمد أنه كان في أحد صباحات يناير/ كانون الثاني من عام ،1993 في معية المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد في شقته يحتسيان القهوة، حين رن جرس الهاتف . استغرق سعيد في المحادثة الهاتفية الحامية التي كانت باللغة العربية نحو أربعين دقيقة على ما يروي إقبال أحمد، قبل أن يعود إلى ضيفه وأمارات السخط والغضب بادية عليه، وكانت حبات من العرق عالقة على جبينه .
صمت برهة ثم قال “سينتهي بهم المطاف إلى حراسة أكبر سجن في العالم: غزة” . لم يقل إقبال أحمد مع من تحدث إدوارد سعيد ذلك الحديث الحامي كل ذلك الوقت، ولكن المقصود بعبارته التي قالها بعد انتهاء الحديث كانت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي انزلقت إلى التوقيع على اتفاق “أوسلو” من دون أن تتمعن في المزالق التي سيقود إليها .
أحدهم نصح الفلسطينيين في حينه بأن يقرأوا قبل أن يوقعوا، لا العكس، أي يوقعون ثم يقرأون ما وقعوا عليه، ليكتشفوا كم من الفخاخ انطوى عليها .
الشاعرالراحل محمود درويش قال في حينه أيضاً: لعل “أوسلو” أوجد حلاً لقيادة منظمة التحرير التي أجهدتها المنافي، لكنه لم يوجد حلاً للقضية الفلسطينية، إنما زادها تعقيداً على ما هي عليه من تعقيد أصلاً .
وفيما كان هناك مزهوون بالاتفاقية التي صوروها نصراً مبيناً، فإن ذوي البصيرة الحاذقة مثل إدوارد سعيد تنبأوا بالمشهد الآتي كاملاً .
علينا أن نلقي نظرة سريعة على بعض تضاريس المشهد الفلسطيني الراهن: غزة المحاصرة من قبل المحتلين، في ما يشبه العقاب الجماعي لنحو مليون ونصف المليون من الفلسطينيين الذين يسكنون فيها، دافعين القطاع وأهله إلى كارثة إنسانية مؤلمة، التسويف والمخاتلة من جانب الصهاينة في لعبة المفاوضات العقيمة بينهم وبين السلطة الفلسطينية، الصراع الدامي والعبثي بين حركتي “فتح” و”حماس” الذي انتهى إلى ما انتهى إليه، والمؤكد أنه ليس الفصل الأخير .
سنجد أن السيناريو الذي توقعه إدوارد سعيد يتحقق بحذافيره، مذكراً إيانا بالعبارة النابهة لأناتول فرانس والقائلة: إن “نبوءات” القلوب الكبيرة تتحقق بكل دقة وجلال .
شر البلية ما يضحك كما تذهب الحكمة العربية البليغة، فالوعود المُبشرة بقيام كيان فلسطيني قادم، لا تحجب حقيقة أن مهمة هذا الكيان إن قام لن تكون سوى حراسة السجن الكبير الذي عنه تحدث إدوارد سعيد .