|
|
التاريخ من أبوابه
مقال الكاتب خيري منصور
* دار الخليــج
قالها جورج سانتيانا من قبل، وكررها عباس العقاد وردد صداها مئات من المشتغلين في حقل الكلمة الملغوم، وهي أن التاريخ ليس مجرد حكايات، ولا يمكن أن تكون قراءته للتسلية أو تعويضاً عن زيارة المتاحف . فمن لا يقرأه عميقاً سيجد نفسه متورطاً بتكرار أخطائه كلها، فهو ذو نفوذ ينافس القوانين، فإن كانت لا تحمي الجاهلين بها فهو أيضاً لا يقيم وزناً لمن قرأوه أو قرأوا بعضه في دقائق ما قبل النوم في القيلولة .
ما يجري الآن سواء لنا كعرب أو لكل من حولنا سبق له أن جرى لكن طريقة النهر الذي قال عنه هيراقليطس إنه لا يُقطع مرتين، فالحروب لم تتغير نواياها وأهدافها، وكل ما تغير هو الأسلحة والأدوات، وكذلك الاستعباد . الذي لم يتغير منذ كتب عنه عبدالرحمن الكواكبي كتابه الرائد “طبائع الاستبداد”، إلا بالقدر الذي أتاح للطبائع أن تتحول إلى صنائع، وهناك مؤرخون أحصوا الموضوعات أو “الثيمات” الأساسية لحراك التاريخ كله فكانت أقل من مائة، لكنها تأخذ في كل زمن شكلاً مغايراً وفق حيثيات جديدة ومفاهيم مختلفة .
واقعنا العربي الآن بكل ما يعج به من احتلالات متدرجة من المباشر إلى غير المباشر، وبكل ما يعصف به من حراك اجتماعي ذي أبعاد اقتصادية وسياسية مّر بمثل هذا من قبل، فالاحتلال ليس طارئاً بل ما طرأ منه هو هذا الالتباس الذي أضيف إليه، وكذلك الظلم واحتكار النفوذ، وصراع الأخوة الأعداء، فنحن منذ الجاهلية حتى حروب الطوائف مروراً بالدول الثلاث الفاطمية والأموية والعباسية إضافة إلى ملوك الطوائف في الأندلس، وقعنا في الكمائن ذاتها، والذي تغير هو الطُعم، فبعدما كان من لحم غزال أو ثور أصبح من لحمنا، إن من يعرف السبب هو وحده الذي يبطل لديه العجب، والسبب كله كامن بين سطور كتب التاريخ في تلك الظلال المسكوت عنها لكن رائحتها تفتضحها، ومن يتصورون أن هذه اللحظات بكل ما يتكثف فيها من أزمات جديدة يجهلون مثيلاتها والأنكى منها في الماضي سواء كان بعيداً منسياً أو قريباً لا نراه لأننا في داخله، مثلما قال رولان بارت عن برج إيفل في باريس، إذ عليك أن تدخل إليه لترى كل شيء باستثنائه .
كان من المتاح لمن قرأوا تاريخهم جيداً أن يتلقحوا ضد تكرار المصائب، لكن على ما يبدو يتساوى القارئ والأميّ إذا كانت القراءة مجرد معرفة لا يتقطر منها الوعي .
وبإمكان أي باحث جاد أن يقدم للقارئ العربي الآن قائمة بأحداث جسام كهذه التي تعلكنا وتهدد حتى مستقبلنا، فالليلة تشبه البارحة، لكن ما تغير أنها مضاءة بكهرباء سخية، مما يسقط أي عذر أو ذريعة لمن يدعي العمى .
منذ عقود عدة والمفكرون العرب المطرودون من دوائر الضوء والإعلام الكرنفالي يقرعون الأجراس كي لا تصل المتوالية إلى ذروتها، بحيث لا ينفع ندم أو محاولة استدراك .
إننا داخل هذه اللحظة التاريخية، لهذا لا نراها وعلينا أن نخرج منها قليلاً كي تتسنى لنا رؤيتها وبالتالي رؤية ما نحن فيه أو عليه، فهل نحاول قراءة تاريخنا من الأبواب وليس من النوافذ؟