النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: آلبير كامو في منتصف المسافة بين البؤس والشمس

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    Impp آلبير كامو في منتصف المسافة بين البؤس والشمس

     

    جعل من التمرد حضوراً إنسانياً دائماً

    آلبير كامو في منتصف المسافة بين البؤس والشمس







    ها قد عشنا خمسين عاما من دون آلبير كامو، أحكامه الحادة، المثيرة والمحرضة، التي توجهنا وتوخزنا .

    وخلال هذا الوقت، لم تكف الكتب والمقالات والأطروحات المكرسة عن مؤلف “الغريب” و”الطاعون” و”السقطة” و”الرجل الأول” عن الزيادة: أحصت “المكتبة الفورية للكتب والدوريات”، التي يتردد عليها أغلبية الجامعيين،

    3171 مرجعا، من ضمنها 2528 عملا يدرس فكره ومكانته الذي يحتلها في تاريخ الأفكار، غوغل بووكس، الموقع الأكثر شعبية، عرض ما لا يقل عن 9953 مرجعاً . وتضارب معظم الكتاب السؤال نفسه: ما مكان كامو قبالة عالمنا بعد موته المبكر؟ ماذا ستكون عليه تعليقاته، نصائحه، ايعازاته، التي لم يكن لديه الوقت لمنحنا اياها وتنقصنا بشدة .

    قال كامو يوماً: “يتمثل فن كافكا في اجبار القارئ على اعادة قراءته” . لماذا؟ لأن “نهاياته، أو غياب نهاياته، توحي بشروحات، ولكنها غير ظاهرة علانية وتقتضي، لكي تتبدى مؤسسة، أن يُقرأ التاريخ من زاوية أخرى” .

    بمعنى آخر، يتأسس فن كافكا على رفض النزوح الى احتواء ما لا يمكن احتواؤه، انهاء الأسئلة المنذورة للبقاء مفتوحة، متآمرة، واخزة، وبالتالي لم تكف عن مساءلة وتحريض القارئ، بإلهامه وتشجيعه على بذل جهد معاودة التفكير . وبفضل هذه السمة الفريدة نجد أن إلهام كافكا خالداً . تعتبر المجادلات والمناقشات كما مقاصده المتجددة أفضل مقاربة ممكنة من “حجر الفلسفة” الذي حلم الخيميائيون به، لأجل الأبدية، لأجل “أكسير الحياة” . في بورتريه عن كافكا، لخص كامو نموذج كل فكر خالد، سمة كافة المفكرين الخالدين، بادئاً بنفسه .

    بطبيعة الحال، لم أنته بعد (ولا حتى حاولت جدياً) من دراسة آلاف التأويلات المعادة التي تتابعت الى يومنا الحالي عن ارث كامو . بالتالي، لست جديرا بتقييم وتركيب النقاش الدائر ولا حتى التكهن بتطوره . في الانعكاسات القادمة، يجب أن أكتفي بكامو الخاص بي، أن أكتفي بقراءاتي الشخصية وصوته الذي أعيد الاستماع اليه بعد خمسين عاما، المرشح هذه المرة بواسطة الحداثة “السائلة”، البازار الكبير الذي يحوي العالم، وأركز جهدي على مؤلف “أسطورة سيزيف” و”الانسان المتمرد” الذين ساعداني مع كتب أخرى على التعايش مع غرابة وعبثية العالم الذي نعيشه، ونصر على تشكيله، يوما بعد يوم، بوعي أو بدونه، بطريقتنا للعيش فيه . لن أكون مندهشاً مثل قراء متحمسين لكامو، بحثا عن رسالته للأجيال القادمة، بحيث إن قراءتي مختلفة وغريبة ومنحرفة عن قراءتهم لأنها كانت تلاحق بلا كلل حقيقة الظرف الانساني .

    فإن كامو كان واعيا بكون موضوعه يظل مفتوحا على تفسيرات وآراء متعددة، ويظل مقاوما لكافة النتائج السابقة لأوانها عبر النقاش (وفي الواقع، كل نتيجة، حينما تجابه السر المغلق للطبيعة الانسانية وممكناتها، لا تكون سوى سابقة لأوانها!) كما نزعة تنقيح رؤيته عن التراجيديا الانسانية، عبر الانشغال بالوضوح والمنطق الداخلي، اللبس والتناقض المشكلان لصفاته غير القابلة للاختزال، لا ننسى أن كامو عرف المثقف كشخص يرقب بروحه، حيث عقله نفسه يغيب .

    منذ بضع سنوات، طلبت صحيفة مني “أن ألخص فكري في فقرة” . لم أجد أفضل من هذا التصوير من بين جهود السوسيولوجيين لسبر أغوار ووصف الطرق الملتوية للتجربة الانسانية لكامو “هناك الجمال وهناك المهانون، أيا كانت صعوبات محاولات الاغراء، لا أريد أن أكون خائنا للجمال والمهانين” . يبين بعض كتاب وصفات سعادة الناس، وهم الأكثر راديكالية والأكثر غطرسة، هذه المهنة الايمانية تحريض كارثي كما اللعب على حبلين . ولكن كامو أثبت، من دون أي ظل من الشك حسبما وجهة نظري، أن “اختيار المعسكر” بالتضحية بدور ما لإتمام عمل آخر ينتهي بوضع كلا الدورين بعيدا عن متناول اليد . هو نفسه ردد: “أكون في منتصف المسافة بين البؤس والشمس”، مضيفاً: “يمنعني البؤس من الاعتقاد أن كل شيء طيب تحت الشمس وفي التاريخ، علمتني الشمس أن التاريخ ليس هو كل شيء” . واعترف: “أنا متشائم في ما يخص المصير الانساني، ومتفائل في ما يخص الانسان”، اذ رأى فيه “المخلوق الوحيد الذي يرفض أن يكون ما هو عليه” . الحرية الانسانية، كما سطر، “لا تمنح سوى فرصة وحيدة لكي نكون في مستوى أفضل”، والوسيلة الوحيدة لمجابهة عالم بلا حرية هي أن نكون أحراراً بحيث نحقق من وجودنا الشخصي حركة تمرد . تتبدى اللوحة التي رسمها عن المصير وامكانيات الانسان بين صورة سيزيف وصورة بروميثيوس، وتجتهد بالكاد، وانما بإصرار لا يكل في الربط بينهما وتوليفهما . اختار بروميثيوس، بطل “الانسان المتمرد”، أن يحيا حياته لأجل الآخرين، حياة تمرد ضد آلامهم، عاملا على رؤية حل “عبثية الظرف الانساني” الذي قاد سيزيف الواقع والمهموم بثقل آلامه ناحية الانتحار كحل وحيد ومخرج ممكن للعنته الانسانية، الانسانية للغاية (“في بؤس حياتنا على الأرض، الانتحار أجمل الهدايا الممنوحة للانسان”) . في تقارب سيزيف وبروميثيوس الذي عالجه كامو، أصبح الرفض فعلا تأكيديا: “أتمرد، لذا نحن حاضرون” . على اعتبار أن الانسان لا يعتبر بذاته مثال المنطق، التناغم، النظام والوضوح الا لكي يعمل، بظروفه واختياراته، على تحديها دوريا بالممارسة . . .”والنحن” هنا جندها سيزيف الوحيد، الذي لم يجد رفيقا لعزلته سوى صخرة، منحدر ودور منذور للفشل .

    حتى في مصير سيزيف، الذي لا يمتلك أملا ولا مخرجا ظاهريا بما أنه يواجه عبثية وجوده المطلقة، هناك فضاء، صغير بشراسة، بالتأكيد، ولكنه بالمثل رحب للغاية لكي يحتوي بروميثيوس . مصير سيزيف غير تراجيدي لأنه واعٍ بتفاهة جهوده . ولكن مثلما شرح كامو “بصيرته التي حققت ألمه الشديد تستهلك في الوقت نفسه نصره . ليس من المصير يتبدى الازدراء” . آخذا هذا الوعي السقيم من ذاته نفسها لكي ينفتح على بروميثيوس وسيزيف، الصورة التراجيديا للعبة الأشياء، من الممكن أن يتحول الى أن يكون مؤلفهما السعيد . “السعادة والعبث، كما دون كامو، خيطان من المادة نفسها . لا ينفصلان” .

    نضال

    في رواية “سيزيف” العالم من الآن فصاعداً لا يتبدى غير العقم وغير التفاهة . كل حبة من حبات هذه الصخرة، كل لمعان طبيعي لهذا الجبل وقت الليل، يكون عالماً قائماً بذاته .

    من اللازم تخيل سيزيف وهو سعيد سيزيف يتصالح مع العالم كما هو، وهذا القبول يفتح طريق التمرد، من الأفضل، أن يجعل هذا الطريق التمرد محتوما، أو على الأقل يجعله المخرج المحتمل . هذا التوليف للقبول والتمرد، الانشغال بالجمال والانشغال بالبؤساء، يهدف الى حماية، على جبهتين، مشروع كامو : ضد الخضوع، المثقل بالانجذاب الانتحاري، وضد الافراط في الثقة، المثقلة بتباين ثمن التمرد الانساني . يعلمنا كامو أن التمرد، الثورة، النضال من أجل الحرية متلازمة للوجود الانساني، ولكن من اللازم أن نرقب الحدود لكي نتجنب أن هذا البحث الرائع لن يفضي الى الطغيان . * كيف يمكن أن نعتقد أن آلبير كامو مات منذ خمسين عاما؟

    (*) فيلسوف وسوسيولوجي بولوني بارز .

    ولد في بولونيا 1925 . أستاذ بجامعة ليدز .

    مؤلف “المجتمع المحاصر” و”الحاضر السائل” .

    و”خلال العام الحالي” .

  2. #2
    عضو برونزى الصورة الرمزية فطومه
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    1,002
    معدل تقييم المستوى
    74

    رد: آلبير كامو في منتصف المسافة بين البؤس والشمس


ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •