خبز المرأة ووردها

مقال يوسف أبو لوز

* دار الخليــج








لا بد من شيء من الخبز في المرأة، فهي لا تصلح أن تكون وردة على طول الخط . المرأة تطبخ وتكنس وتنشرالغسيل، والوردة لا تفعل ذلك أو لا تفعل كل ذلك، وإذا بقيت المرأة مجرد وردة، فإنها توضع في مزهرية والسلام .

في جدّاتنا القديمات شيء من الخشونة، ولكنها خشونة محببة . ذلك هو الملح أو هو الخبز في أولئك النساء القديمات والجميلات أيضاً كالورد البرّي الذي ينمو في الأرض البعل وعلى قليل من الماء .

“اكتفي بالقليل . .” كانت تقول المرأة إلى نفسها في زمن الخبز والملح، أما في زمن الورد، فهي لا تكتفي لا بالقليل ولا بالكثير، فهي خبز وورد وعطر وقوس قزح، وهذه الأخيرة، أي إذا كانت قوس قزح فهي أقرب إلى روح الشاعرة . أو أنها المرأة القصيدة، ومرة ثانية في جدّاتنا القديمات شيء من الشعر مع أن أكثرهن لا يعرفن القراءة ولا الكتابة، لقد كانت الواحدة منهن بعشرة من نساء اليوم . الواحدة منهن لم تكن نؤوم الضّحى كما تقول العرب . ذلك جيل من النساء تصحو فيه المرأة مع نجمة الصباح، تسري مبكراً إلى الحقل وتعود في المساء إلى بيتها أو إلى خيمتها لكي تبدأ عملاً آخر هو عمل البيت بين أطفالها وعائلتها . . أليست هذه الدورة اليومية هي أيضاً قوس قزح . . أليست هذه هي بالضبط شعرية المرأة وكينونتها الإنسانية العاملة والمبدعة في زمن قديم نتذكره بشيء من الحنين .

ولكن الحنين أيضاً يتقدم في العمر . . يشيب ويهرم كالإنسان الذي هو ابن ذاكرته وابن أشواقه، هكذا يكتسي قلب الكائن البشري بشيء يشبه الصدأ، أحياناً، فلم نعد نتذكر خبزنا القديم ولا وردتنا القديمة .

الحنين أيضاً يقود إلى مسقط الرأس وإلى الذاكرة التي تستيقظ عادة عندما يعود الإنسان إلى ماضيه . . إلى تلك الأيام التي لم تكن متشابهة أبداً .

اليوم، نعيش زمن التشابه

تبدو الكثير من النساء متشابهات . الكثير من الكتابة متشابه . الطغيان أيضاً متشابه، ولكي نهرب من هذه الدوائر الضيّقة والمتشابهة نقوم باستخدام الحنين أو قل إننا نستخدم الماضي .

في الماضي كانت المرأة كائناً يبعث على الفرح لأنها مثل نهر الفلسفة لا تقطعه مرّتين .

في الماضي كان للمرأة مرآة واحدة هي ذاتها أو ماء النبع ولكنها كانت دوماً مجرّدة من أيّة نرجسية عندما ترى صورتها في الماء .

اليوم، ما أكثر المرايا، وما أقل الوجوه .

ما أكثر الورد، وما أقل الخبز في زمن يحتاج فيه الإنسان إلى نصفه الثاني الذي يتعب ويتعب في العثور عليه .