إنعام كجه جي.. الحفيدة الأميركية تكشف تصدعات المجتمع العراقي تتناول رواية «الحفيدة الأميركية » التي تم اختيارها مؤخرا ضمن الأعمال الروائية الستة المرشحة للفوز بجائزة بوكر العربية، قصة عراقية تعيش في الولايات المتحدة وتعود إلى العراق بصفة مترجمة مجندة في صفوف الجيش الأميركي بعد احتلال العراق، وهناك تلتقي الحفيدة بجدتها لكن اللقاء الذي كان نوعا من حلم عذب يتحول وسط التناقضات إلى سبب للألم والعذاب للجدة والحفيدة، ويقود تعارض المواقف بينهما إلى الاصطدام.

[IMG]http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?blobcol=urllowres&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey= id&blobtable=CImage&blobwhere=1228574304075&cachecontrol=0%2 C4%2C12%2C16%2C20%3A00%3A00+*%2F*%2F*&ssbinary=true[/IMG]
الجدة من جيل آخر وزوجها المتوفى كان عقيدا في الجيش العراقي السابق وحارب في فلسطين، وهي تظل ثابتة على موقفها من الاحتلال أكيدة من هويتها، أما الحفيدة فهي لا تفهم حقد العراقيين عليها والذي يبدو أكبر من حقدهم على الأميركيين. وتقع في تناقض غريب يتحول معه مهيمن المقاتل في جيش المهدي وعدوها كأميركية إلى الشخص الأقرب إلى قلبها الذي يجعلها ترى الحياة والأوضاع بمنظار آخر، وفي محاولة لكشف احد الجوانب القاتمة للاحتلال ولطرح سؤال الهوية والانتماء التي تصدت لها رواية « الحفيدة الأميركية » التقى « مسارات » بالكاتبة أنعام كجه جي الصحافية والإعلامية المعروفة بكتاباتها الساخرة وكان هذا الحوار التالي نصه: مبروك البوكر. أنت الزهرة الوحيدة على قائمة مؤلّفة من كتّاب مرموقين. والحفيدة الأميركية كما يدّل العنوان، يواكب امرأة عراقية الولادة أميركية الجنسية، تعود إلى بلدها مترجمة في صفوف هذا الجيش الأميركي... « الحدّوتة شيّقة» وتبدو واقعيّة إلى أبعد الحدود، هل هي كذلك؟

زهرة؟ أزهر الله أيامك. أما حدوتة الرواية فليست واقعية بأكثر مما نطالع في الواقع العراقي من حكايات تفوق الخيال. لنقل إن لها جذراً في تربة ما، أخذته وزرعته في وسط أعرفه خير المعرفة، وشددت عوده بالوثيقة وبالتقرير الصحافي وبالكثير من الهلوسات.

فالحقائق وحدها قد تصنع مذكرات وأفلاماً وثائقية لكنها لا تصنع روايات. وقد سمعنا كلنا عن مترجمين عرب وعراقيين يعملون مع الجيش الأميركي في العراق.

وهي حقيقة استفزتني ولم أستوعبها. لذلك جاءت الرواية على شكل حفريات في نفسية الراوية التي هي المجندة الأميركية، عراقية الأصل، لكي أفهم دوافعها... فأقتنع أو أرفض. مثلما تركت للقارئ الحرية في أن يقبل بطلتي أو يلعنها ولم أنصب لها محكمة سافرة، تاركة لجدتها العجوز العراقية أن تلعب دور الضمير المستتر.

تمكّنت ببراعة فائقة تجنّب الخطاب السياسي، مفضّلة عليه نهجاً عاطفيّاً وإنسانيّاً.

ما رأي الروائية ببطلتها وبالجدّة الساخطة على تربية حفيدتها التي أفسدها الغرب ؟

أأنت من رأي الجدّة؟

من هي البطلة؟ أليست من بنات أفكاري؟ أليست الجدة من عجائز أفكاري أيضاً؟ هل كان على أن أؤدي وظيفة الحكم العادل بينهما؟ أن أكون مواطنة سويسرية تلتزم الحياد وتمتنع عن إدانة هذا الطرف أو ذاك؟ ولماذا كتبت هذه الرواية في الأصل إذا لم أكن أنوي بناء موقف خاص بي؟ لن أرد على سؤالك لأنني سأترك لقارئ «الحفيدة الأميركية» أن يستشف الرد وأن يكتشف بنفسه هل أنا سويسرية أم عراقية تستفتي أصالتها وما تربت عليه، وتزدري الحياد الذي أرادوه إيجابياً.

حبيب بطلتك ينتمي إلى جيش المهدي وهو شقيقها في الرّضاعة. أقصدت القول بشكل مجازي إنّ العراقيين، مهما اختلفوا في الرّأي، إخوة؟

لا يا عزيزي. يبدو أننا لسنا أُخوة إلا في الإعلانات التلفزيونية المدفوعة والمصورة بكاميرات محترفي التسويق السياسي. وفي طفولتنا، عندما كانت المدارس تربي، قرأنا في مناهج الدراسة أن الاستعمار مارس في بلادنا سياسة «فرّق تسد».

لكننا لم نحفظ الدرس لأننا تصورنا أن زمن الاستعمار ولى ولن يعود. وفي روايتي، أردت الكشف عن التصدعات التي أصابت المجتمع العراقي، كما أحببت العودة إلى فكرة ليست جديدة في الأدب، بل تكاد تكون قديمة بقدم النزاعات البشرية، عن أولئك الذين تدفعهم مصائرهم إلى ملاقاة الحب الكبير في اللحظة غير المناسبة، في زمن الحرب.

إن وتيرة الحرب لا تمنح فسحة لتنامي المشاعر ولا تسمح سوى بلقاءات مختلسة. فكيف إذا كان قلب المجندة الأميركية يخفق لمعشوق في الخندق الآخر، مقاتل في جيش المهدي؟

وفوق هذا يقال لها إنه أخوها في الرضاعة. هل ينفع التمرد على قوانين البشر وقوانين السماء؟ إن الكارثة الشخصية تكتمل في رقصة فالس عجيبة مع الكارثة الوطنية، وتكون كافية لطرد الأوهام التي ساقت الحفيدة للعودة إلى مسقط رأسها، جندية في جيش محتل.

روايتك الحفيدة الأميركية مشروع فيلم هوليوودي. من ترشحّين لدور البطلة يا ترى؟

هوليوودي مرة واحدة؟ دعني أتمادى معك في الحلم وأُفكر... هل يفترض أن تكون الممثلة عربية أم أميركية؟ لعل هند صبري تصلح لدور الحفيدة، شرط أن تتعلم اللهجة العراقية.

أما إذا كان الفيلم من إنتاج أميركي فلن أقبل بأقل من ميريل ستريب في دور الجدة (تضحك ساخرة ومتسائلة) هل تتصورها وهي في درجة 50 مئوية مع انقطاع الكهرباء؟

روايتك السابقة «سواقي القلوب» كانت تأشيرة دخولك إلى نادي الرواية. ما رأيك بالمشهد الروائي العربي، علماً أنك بلا ريب تقرئين لزملائك وزميلاتك؟

يلفت نظري هذا الاجتياح النسائي الجميل للمشهد الروائي، بالأخص في السعودية. وقد تكون هناك بعض المآخذ، مثل محدودية التجربة الكتابية وما يصاحبها من ضعف في اللغة وارتباك في البناء، لكن التعبير خير من الصمت. وأنا أقرأ ما يمكنني الحصول عليه من روايات، أي ما يتوفر منها في بلد إقامتي.

وأجد متعة في متابعة روائيات وروائيين صارت كتبهم الجديدة مناسبات للفرح أحتفي بها، وتدفئني. ولن أقول لك الأسماء والعناوين لأنها كثيرة ولأنني لست ناقدة ورأيي لا يقدم ولا يؤخر. لكنني أحترم من يبذل جهداً لإمتاع قارئه، وتسعدني الكتابة الذكية وأشعر بالامتنان لأصحابها، وهنّ وهم يعرفون أنفسهم.

كتابك الأسبق لورنا، كتاب بديع لم يأخذ حقّه وهو حديث ممتع مع الرسامة لورنا زوجة التشكيلي والنحات الفذ جواد سليم صاحب نصب الحرّية. ماذا لو كتبت لورنا في حلّة روائية؟

أنت تخوض في ما صار تاريخاً لأن عشر سنوات ونيف مضت على كتاب لورنا. ومن خلال معرفتي بهذه السيدة فإنها أعجبتني بهدوئها ووفائها لسنواتها العراقية ولم تستثرني كشخصية روائية. لعل زوجها، جواد سليم، يصلح لأن يكون بطلاً روائياً. بل هو يصلح لذلك بالتأكيد.

تصور أنه لم يصبر لحين اكتمال العمل وأراد أن يرى الشكل الذي سيبدو عليه «نصب الحرية» يوم الافتتاح، فقام بصف القطع المنحوتة على الأرض وتسلق الجدارية ونظر إليها من فوق. ولما نزل كان مرهقاً من التسلق ومتوتراً من الانفعال فأصابته أزمة قلبية.

لم يكمل مشروع عمره ولم يحضر لحظة إزاحة الستار عنه. مات وهو في الأربعين، وعندما علم زميله النحات خالد الرحال بالخبر ذهب إلى المستشفى وصب على وجه جواد عجينة الجبس وعمل له قناع الموت.

ثم مات الرحال وأصبح القناع في عهدة زميلهما النحات محمد غني حكمت. أما لورنا فقد أشرفت على إكمال نصب الحرية، وبقيت بعد وفاة زوجها عشر سنوات في بغداد وأعطاها عبدالكريم قاسم الجنسية العراقية. أليست هذه مادة روائية؟

كيف ستبدّل الجائزة حياتك؟ هل سيكبر شعورك بالمسؤولية تجاه الأدب والأدباء الشّباب؟

وهل أنا أديبة عجوز؟ لست عجوزاً إلا في الصحافة التي أعمل فيها بشكل يومي منذ عام 1970، بدون انقطاع. وهو عمر نادر للنساء العراقيات العاملات في المهنة.

وكنت أنتظر جائزة في ميدان عملي الأصلي لا في الرواية التي جئت إليها عندما احترق العراق ولم تعد التحقيقات والأعمدة والتقارير الأخبارية تفي بما يفور على لساني. أما كيف ستبدل الجائزة حياتي فهذا سؤال يصلح للطرح على الفائزين بنوبل.

الكاتبة في سطور

أنعام كجه جي كاتبة عراقية صدرت لها قبل (الحفيدة الأميركية) ثلاثة كتب أخرى هي «لورنا.. سنواتها مع جواد سليم» (1998) و«العراق بأقلامهن» وهي نصوص بالفرنسية من الأدب النسائي العراقي (2003)، أما روايتها الأولى فحملت عنوان «سواقي القلوب» وصدرت في بيروت عام 2005.