نهاية وبداية

مقال حبيب الصايغ

* دار الخليــج



تساءل محمود درويش في إحدى قصائده الأخيرة، وهو يتناول موضوع النهاية، عن البداية . هل يمتلك النهاية من لم يمتلك البداية بعد؟ . . بعيداً من حدس الشاعر الكبير الذي ينصح القراء بقراءة إنتاجه الأخير خصوصاً حيث قيمة الحياة الموت حاضرة بشكل لافت ومتفوق، وقريباً من حياة كل الناس، فقد يسيطر على الإنسان شعور النهاية في البيت والعمل . في التجارة والصناعة . في الطب والهندسة . في الإدارة والزراعة . في الكتابة والإبداع عموماً، لكنه يكتشف بعد وقفة متأملة، أنه، في الحقيقة، لم يبدأ بعد، وأنه أحوج ما يكون إلى البداية .

محمود درويش يطالب في قصيدته بمعرفة البداية، وكأنه استيقظ فجأة من سبات عميق، ولسان حاله: صحيح . . ما البداية؟

هل البداية في حياتنا واحدة أم متعددة؟ . . ومتى وكيف وماذا ولماذا؟ هل البداية محصورة في إطارها ونطاقها، أم أنها منفلتة، دائماً، من كل قيد؟ . . كم تتشابه البدايات، وكم تتآلف؟ كم تتضاد وتختلف؟ . .

وهل يمكن مواجهة النهاية، أو حتى معرفتها، فيما البداية أصلاً غير معلومة وملموسة .

هل الترتيب هنا يعبر بالفعل عن تراتبية معقولة؟ القصد هل تأتي البداية بالضرورة قبل النهاية؟ . . هل تنتظم مسارات حياتنا ضمن طريق مستو إلى هذه الدرجة، فلا اعوجاج، ولا رجوع إلى الوراء؟

نحن بشر، وقد نتقدم ثم نتأخر، وقد نعيش وجع النهايات قبل وجع البدايات . قد يولد طفل الحياة ميتاً، وقد تفقس البيضة عن كائن لم يدخل في كينونته بعد .

وقد يعيش كائن طيلة حياة وهو يعتقد أنه تجاوز البدايات، أو عرفها، أو تعلم منها، وواقع الحال أنه لم يدخل أبجدية الحياة بعد .

لكن المحاولة، مجرد المحاولة، هي البداية الصحيحة . المحاولة ليست أول التجربة وإنما منتصفها . المحاولة تمرين الحي على الحياة .

ولا محاولة خارج الوعي والثقة . الأجدر بنا دائماً ادراك درجات الوصول، حتى نعرف كيف نعد للعشرة، ان تصاعدياً أو تنازليا .

هل بدأ العد التنازلي؟

لكن قل قبل ذلك . ما البداية؟ النصيحة ألا يموت الإنسان من دون أن يحك رأسه قليلاً . ليطلق شرارة السؤال . عندئذ فقط قد يموت مرتاح الضمير .