نفور من القبور
مقال أبو لوز
* دار الخليــج
كنّا نحتاج الآن، وربما بعد الآن إلى شعراء من مثل محمود درويش، وعبدالوهاب البياتي، وخليل حاوي، وعبدالرحيم عمر، وعمر أبو ريشة، ومحمد عفيفي مطر، ومصطفى وهبي التل، وعبدالله البردوني، وممدوح عدوان، وأمل دنقل وغيرهم وغيرهم من ذلك الزمن الثمانيني والتسعيني الذي كان زمن رحيل أولئك الشعراء الذين كان همهم الأول هو الغناء الفردي الحزين طوال الليل والنهار من أجل الحرية .
ولكن هؤلاء رحلوا، والموتى لا يكتبون الشعر في القبور .
كنّا نحتاج الآن، وبعد الآن، إلى سعد الله ونوس، وعبدالرحمن منيف، ومؤنس الرزاز، وإدوارد سعيد، وعبداللطيف عقل، وغيرهم وغيرهم من ذلك الزمن الذي كان فيه الخطاب الثقافي العربي في لون قوس قزح، ولكن هؤلاء رحلوا، والموتى لا يكتبون في القبور .
كنّا نحتاج الآن، وبعد الآن، إلى ذلك الانفعال الثقافي التربوي والاجتماعي على يد كتّاب ومثقفين وفنانين يقطعون اللغة ويأخذون الكلام من قلوبهم وأكبادهم، ولكن الموتى لا يكتبون .
كنّا نحتاج الآن، وبعد الآن، إلى عبدالقادر الحسيني، وعزالدين القسام، وسعد زغلول، وعمر المختار، وعبدالكبير الخطابي، ويوسف العظمة، وغيرهم وغيرهم، ولكن الموتى لا ينهضون من قبورهم . إذا كان التاريخ قد هال عليهم التراب، واثقل شواهد قبورهم بباقات الزهر .
نحتاج إلى سيد درويش وهو يطعم بالموسيقا فقراء مصر، وناظم الغزالي وهو يكحل عيون الناس بالأغاني في العراق، وعوض الدوخي وهو ينزف من قلبه على خشب العود في الكويت، وطلا مداح وهو يتابع طفلة المطر في الجزيرة .
ولكن الغناء، مهما كان سيد اللحظة العاطفية، لا ينبعث من القبور .
يحتاج العربي إلى بطولة، وإلى تأكيد ذاته في الحياة، ويحتاج إلى ذاكرته وتاريخه وعنوانه الواقعي على الأرض وإلى اسمه العلني في الحياة، غير أن البطولة هي الأخرى مثل الفن والشعر والكتابة والأمل . إذا ماتت لا تنهض من القبور .
متى ينهض الموتى لينقذوا الأحياء من فقدانهم للحياة، ومن رحيلهم عن الحياة؟
متى النفور من القبور؟