|
|
شواء لحم عربي
مقال يوسف أبو لوز
* دار الخليـج
رائحة شواء اللحم العربي تنبعث في هواء بعض البلدان العربية، وهو في الغالب لحم طري شاب، نخب أول . . وهو:
أبيضُ كالقطنِ، وحنطي كالقمحِ
وأسمرُ كالذرة الخرساءِ
مُتاحٌ إن شئتَ شواءً
أو طبخاً أو حتى نيئاً يؤكلُ
. . هذا لحم الوطن العربي
المرفوع على النار
المنصوب كقنطرةٍ حمراء على الدرب
المجرور ضحايا وسبايا
والمعروض لشرّاءٍ أو بيّاع
ما رأي عالم اجتماع عربي نظيف العقل والقلب في ما يشبه الظاهرة التي بدأت منذ إحراق الشاب التونسي محمد البوعزيزي، بائع الخضار والجامعي المسكين نفسه في الشارع العام، قبل أكثر من شهر، وتلا ذلك إضرام عدد من الشبّان العرب النار في أنفسهم في الجزائر وموريتانيا ومصر؟
في إحدى البلدان العربية أحرق شاب نفسه على الطريقة البوعزيزية، فسارعت الدوائر المسؤولة في ذلك البلد بوصف الشاب بالجنون، والأحرى أن المجنون إذا فكّر بحرق نفسه فإنه عاقل وليس مجنوناً، لأن الاحتجاج الذاتي الذي يسقطه الإنسان على نفسه، هو فعل عقل وليس فعل الغيبوبة والغياب عمّا يجري في أقطار عربية كثيرة تكثر فيها عربات الخضار، ويضغط فيها خط الفقر (ولا أدري ما لونه) على رؤوس الناس وعلى أعصابهم المشدودة .
ما رأي المفكرين وعلماء الاجتماع والسياسيين، وحتى الشعراء في هذا الشواء، وفي هذا الاحتراق الذي لا نريده مطلقاً للشباب العربي؟ ولكن وبما أن إضرام النار على نحو اختياري احتجاجي هو فعل فردي ضد الجوع والبطالة والفقر، فالأمر حقاً، يحتاج إلى أكثر من رؤية . . رؤية اجتماعية، ورؤية ثقافية، ورؤية سياسية وهي الأهم .
وفي عام 64 ميلادية أحرق نيرون روما، واستمر الحريق مدة أسبوع التهمت خلاله النار عشرة أحياء في المدينة التي تقول المصادر إنه “بينما كانت النيران تتصاعد والأجساد تحترق، وفي وسط صراخ الضحايا كان نيرون جالساً في برج مرتفع يتسلى بمنظر الحريق الذي خلب لبّه وبيده آلة الطرب يغني أشعار هوميروس التي يصف فيها حريق طروادة” .
لا نحب هذا الشواء العربي ولا نحب “نيرون” ولا روما أو طروادة وهما تحترقان . فالحياة ضد مبدأ النار .