مرض مزمن
مقال حبيب الصايغ
* دار الخليـج
الورقة الخضراء ليست الغصن، والغصن ليس الشجرة، والشجرة ليست الحديقة، الأفضل أن يعبر كل شيء عن نفسه على طريقته . إن شاء اختصر، وإن أراد أطال وأسهب . إذا شاء أن يعبر عن نفسه بالحضور فليكن، وإلا بالغياب . بالقوة يمكن التعبير وكذلك بالضعف . بالثقة أو الانكسار . بالتقدم إلى كل الجهات أو بالرجوع . بالدخول في المتاهة وكأنها البيت، أو بالتشرد في صحراء الجواب .
عندما تتكلم الورقة الخضراء عن نفسها، ففي يدها أن تقول كل شيء، وبأي أسلوب تشاء . هي تعبر عن نفسها بالأصالة، لكنها عندما تتكلم بالنيابة عن الشجرة فإن الأمر يختلف . درجة الصدق والإخلاص، وحتى فنيات القول . أنا المتكلم غير ضمير الغائب، مهما كان المتكلم لصيقاً بالغائب أو قريباً منه .
والشجرة ليست الحديقة، والحديقة ليست الأرض . في المجمل يقال كلام قد يبدو أحياناً أقرب إلى الثرثرة، والتفاصيل، كل على حدة، أصغر وأضيق، وينبغي أن تكون أقطع وأكثر دقة .
في الليالي المقمرة، تتكلم الأشجار أكثر، وتهمس في آذان المارة بالأخبار والأسرار .
وفي الليالي المظلمة تدخل في بيوتها وتغلق الأبواب، وقد تستريح وتهدأ وتنام . الأشجار أيضاً تحلم، وتذهب بعيداً في الخيال، وإلا فكيف تتسنى لها القدرة على مقاومة الموت؟
هكذا تتحرك كائنات الحياة، لتنسج أيامها، مهما كانت قليلة، على مهلها، بل على أقل من مهلها، فمن يستطيع رؤية المشهد على حقيقته؟
كل من يكتفي بالمتاح والممكن لا يستطيع . الطامح وحده، ومن يتخذ الطموح عقلاً وقلباً وعقيدة، والمتطلع إلى غد الإنسان عبر نافذة المستحيل .
والمستحيل ليس واحداً . هو أيضاً درجات، وللمحاول نصيب إذا شاء أو اجتهد .
فلنعد إلى القراءة الأولى: الورقة الخضراء ليست الغصن، والغصن ليس الشجرة .
المهم أن تمتلك الشجرة هذا الوعي، وأن تنتقل هذه العدوى الجميلة إلى الإنسان .