شعب عصامي وجميل
مقال يوسف أبو لوز
* دار الخليج
أجمل ما في انتفاضة الشعب التونسي أنها لم تنطلق من الكلام الكبير الذي يطلقه المثقفون عادة في المقاهي وفي المنافي، ولم تكن هذه الانتفاضة تتكئ على منظّرين وإيديولوجيين يتحدثون عادة بلغة لا يفهمها الشارع، وهي أيضاً انتفاضة الإنسان العادي في أعمق درجات حاجته إلى الحياة وإلى العيش بكرامة .
بوعزيزي لم يحرق نفسه لأنه فقير، بل لأنه أحس بالإهانة من الصفعة التي وجّهتها له امرأة تعمل في البلدية وأرادت مصادرة عربة الخضار التي كان يرتزق منها مع أنه خرّيج جامعي .
بوعزيزي ونماذجه العديدة في الشارع التونسي لم يغرقوا في فقاعات بعض المثقفين والسياسيين والإعلاميين الذين يناضلون وهم في أبراج عاجية بعيدة عن نبض الشارع وعن حياة الناس، هذه نماذج شعبية لم تنفعها بعض النخب الثقافية والإعلامية المعزولة عن الحياة وعن الناس . ومع أن هذه الانتفاضة هي وليدة الشارع، إلا أن الشعب الذي هبّ مرة واحدة بعد النار التي التهمت بائع الخضار تتمثل فيه ثقافة فطرية قلّما وصّفها المثقفون والمفكرون المعزولون عن الشارع، ومن مظاهر هذه الثقافة الشعبية ذلك المشهد الذي رأيناه على شاشة التلفزيون بعد الإطاحة بزين العابدين، حيث تجمعت أعداد من الشباب وأخذوا يكنسون الشوارع وينظفون الساحات والميادين العامة، وهو سلوك اجتماعي راقٍ يصدر عن شعب مثقف ومتعلم، وحتى التعليقات التي نشاهدها من أناس عاديين تأتي بلغة عربية فصيحة .
القليل من الشعب التونسي ومن المثقفين التونسيين من استخدم اللهجة التونسية المحلية في تعليقه على هذا الحدث التاريخي . . أحد الرجال وقد أبيضّ شعره وضع يده على رأسه وقال . . “لقد هرمنا إلى أن عشنا هذه اللحظة التاريخية”، إضافة إلى ذلك لم يكن من هناك استخدم الفرنسية بوصفها لغة شارع سياسي في هذه الانتفاضة العربية مئة في المئة .
أما السلوك التونسي الأرقى حقاً فهو انعدام مظاهر السلب والنهب، وإن جرى ذلك ففي حدود ضيقة جداً سرعان ما سيطرت عليها اللجان الشعبية .
شعب تونس شعب عصامي وجميل له مرجعيات ثقافية وتربوية رفيعة جعلت انتفاضته واحدة من الحركات الشعبية الكبيرة في التاريخ المعاصر .