عبدالعزيز جاسم ملاك الغجر.
بقلم ظبية خميس
غريبا عشت بينهم
ووحيدا
كما عشت تموت.
هكذا يفتتح عبدالعزيز جاسم قصائده فى عمله الشعرى "افتح تابوتك وطر."
ويتحرك عبدالعزيز فى شعر الإرتحال الذى صار سمة من سمات العديد من الأعمال الشعرية والأدبية الإماراتية فإذا كان إرتحال الشاعر خالد الراشد هو عبر الهند وجسدها الدينى-الثقافى فإن إرتحال عبدالعزيز جاسم هو نحو أقاصى الشمال فى المغرب والجنوب نحو أمريكا اللاتينية كما تتدفق قصائد هذا العمل الذى يطير...يطير بصاحبه إلى البعيد.
-طر طيرانك الخرافىَ
لا تنتظر أحدا
-طر لأيها المنشق عن الحلقة
عن التاج
عن الحظيرة.
طيران يودع قسوة...محلقا إلى آفاق يرتادها تشبه تحليق جوناثان النورس وخروجه من منظومة السرب المدجن.
يفتتح عبدالعزيز جاسم طيرانه بسرد شعرى بعنوان اوبرا لمدينة فى الطنجرة يعلن فيه إنسلاخه وبراءة روحه من واقع يرثى له ويرثيه.فى طنجرته تلك يشير إلى خلاصة وجودية:"كمشة حيوات.كمشة أعمار.كمشة موتى.هى اللقمة الواحدة!".وسرديته هذه سردية متأمل غير محايد يحاول الفكاك بعيدا عن مايراه من تشوه وقبح حل ولا يريد أن يكون جزءا منه.إنه إغتراب عميق وإحساس برفض ذلك الإستلاب المهيمن وفقد لذاكرة عزيزة لم تعد موجودة إلا فى وجدانه الشخصى.
أسمه هروب او فرار أو إنعتاق.يقول:"الزمان وطنى,وأنا نافورة أمكنة!"يروى أشباح أمكنة ساحرة بكائناتها وعلاماتها.يحكى أطياف بشر من نساء وشيوخ,يحكى كابوسه ورؤيته.يقول:
-لم يعد يتذكر جيدا!لقد نزلنا بإرم.بسبأ.بمجَان.بعمان.ودلمون.فى بادية الصعاليك شربنا بيض النعام.
كأنه يروى ذاكرة سحيقة لاتزال حية ولكنها مجرد أثر معنوى للمكان.ولكن أين هو اليوم من تلك الذاكرة المحتشدة.لا أيائل ولا غابات ولا مطر ولا صعاليك ذاكرة ففى الوداع يودع الشاعر ما يقول عنه:
-وأخذ يجول ببصره فى مدينة لا اسم لها ولا عنوان!
هى مدينة من إسمنت وحديد,غير أنها منفوخة كلها بالسيليكون.
ثمة حسرة عميقة ورغبة معذبة بوداع المكان.
يقول:
-كان ثمة وهم مريض يعمل كناشر الوباء بين الناس.كان ثمة شىء يتحطم.يذبل.يطحن.يتعفن.يموت.خلف المشهد الجميل للمرمر والزجاج وأضواء النيون.
مرثية شعرية يكتبها عبدالعزيز جاسم للمكان,وللذات المهمشة فيه,ورغبة بتنفس الصعداء للخروج البعيد ولبراءة النفس من أنفاسها هناك.
وفى إرتحاله يبدأ ب أ-قميص لطنجة ويهدى نصوصه للأصدقاء ويكمل سرده على شكل حكايات منفصلة تتصل بوصف دقيق لحالات بشر مرت عليه يحتفى بهم وببؤسهم وحتى موتهم.يبدأ بليل العصابات مقدما نصائح سوداوية ساخرة حول حق الصمت والهدوء فى مقابل الكلاب وبسادية تتكرر يوصف عبرها حله للأمر عبر مشهد شديد القسوة والفظاظة ويصل لدرجة القتل.يكتي عن أطفال مشردين,وعن لاجىء نيجيرى يحلم بالذهاب إلى اوروبا غير أنه يموت هناك على بحر طنجة فى وحدة بائسة,يكتب عن عجائز خادمات وحشاشات وبنات ليل,يكتب عن مجانين-عقلاء لا يحتملون الحياة كما هى.مشاهد إنسانية يتحيز لها ويجد نفسه بين تلك الذوات.بين المهمشين والبائسيين والمحترقين بجمر الوجود.ويكتب عن ذاته المرتحلة حيث يود أن يعيش وأن يدفن,ويتحدث عن المدن كأياد,يشبهها بتلك ويقول:
-يقولون:المدن نساء!وأقول:أنها أياد.
مجرد أياد.أياد لا أكثر.تلمع كمصابيح الشوارع أو تعمل كمهابيش الجمر.
ويكتب عن عودته المرتبكة والمربكة:
- ولكن لمن؟وماذا سيفعل هناك,
- ومن ترى يذكره الآن؟
قميص طنجة بحث المتمرد الطائر المحلق بعيدا عن آدميته بين الآخرين,وعن موطىء لقدميه بين الأماكن,سردية المهمشين الذين ينتصر لإنتماءه لهم وجوه إنسانية تائهة على حافة الوجود المعذب,كوجوده الخاص.
وفى قميص طنجة بهجته أيضا الشخصية الصغيرة والخاصة وإبتهاجه بوجوه يحبها وأماكن يحب العيش فيها.
ومن طنجة إلى قصائده فى –ب فى أرض الدورادو.
يكمل عبداعزيز جاسم إرتحاله بترانزيت فينزويلى فتشعر ببورخس وماركيز وامادو يتبدون فى النص الذى يخلق أنوثة شرسة من حوله وحملقة عابر سبيل فى كراكاس ضربته موجة مفاجئة فترنح قاربه.
يقول:"كالعاصفة التى تضرب رجلا ساهيا,لطمتنى أخت الكنائس بقوة.ماذا تريد منى إذن,وهى التى لطمتنى ولم تعتذر؟"
وللحق فإن الشاعر يسرد بحس روائى بديع يجعلك تشعر فى بعض قصائده وكأنها مداخل لروايات كان من الممكن كتابتها أكثر مما هى قصائد لمشهدية أو حال أو موقف شعرى يعبر الذاكرة.يحتفى الشاعر بامريكا اللاتينية ويقتفى أثر الأماكن فى رواية ماركيز مئة عام من العزبة ويراقص الفرح والضوء والموسيقى وينقل صورا للمكان بإنفعال الحى اليقظ الحواس فى كرنفال الصور.
إفتح تابوتك وطر,نص الإرتحال والتخفف من أحمال المكان الأول بأحمال أماكن أخرى.فرح وألم وإنعتاق وحرية وتكاتف إنسانى مع آخر يحب الحياة حتى لو آذته أو قرر التوقف عنها.وفى قلب الشاعر يكم الروائى الذى يخاتل الشاعر فى القصيدة.
المرجع _عبدالعزيز جاسم,إفتح تابوتك وطر(أبوظبى:هيئة الثقافة والتراث,قلم,2010)
أبوظبى 26-8-2010