الثرثرة عنوان المرحلة
للمبدع حبيب الصايغ
* دار الخليج
ينبت الكلام، من غير مقدمات، كالفطر . يعشش في الأدمغة ثم يطفو على السطح . الكلام بالمعنى السلبي، حيث الميل إلى الثرثرة سائد، وحيث الاختصار مرفوض مذموم، وحيث الحوار نوع من الصراخ المؤذي . هل العرب، بالفعل، ظاهرة صوتية؟
عندما قيلت تلك العبارة في زمنها، قوبلت من أغلب الناس بالرفض، والرفض الموضوعي . طبعاً لا يمكن الحكم المطلق على أمة بأكملها . الفكرة في حد ذاتها ظالمة قبل الخوض في الدرجة والحدة والصحة والمعقولية .
لكن هل تغير شيء؟
عبر الأيام والأعوام والعقود . نعم . عبر الممارسات والتصرفات نعم . عبر تاريخ من الشد والجذب، والأخذ والرد نعم . عبر إرث من المعارك والانتصارات والانكسارات نعم .
ولأن العصر الأخير مرحلة الإعلام المتقدم فنياً بامتياز . “فنياً” هنا تذهب إلى التقنية لا إلى المحتوى، ولا حتى الشكل، إلا في حالات نادرة تعد على أصابع اليد الواحدة . لأن هذه سمة العصر الأخير والحاضر، فإن الأمة العربية الواحدة، ذات الرسالة الخالدة، تخلت، للأسف، عن كلامها القديم، واتخذت كلاماً جديداً، كلاماً كثيراً فائدته قليلة .
افتح على أية فضائية وأنت ترى العجب العجاب، لا أحد يتكلم بقياس، والثرثرة عنوان المرحلة .
لا أحد يسكت، والكل يتكلم . يتكلم في الذي يعرف والذي يجهل، ويتكلم في ما يجهل أكثر، وينظّر، ويذهب بعيداً، وقد يتوه، لكنه يكابر .
كلام في كلام في كلام، من الحوارات السياسية بين قوسين، إلى برامج المنوعات، وإلى برامج الفتنة والسقوط، حتى برامج الأغاني الهابطة، وحتى المسلسلات السيئة المسيئة، فاللغو فيها كثير، وأكثر بكثير من الكلام المفهوم .
وفي القنوات الرياضية يأتيك الأنموذج خالصاً: الكلام هو بطل الملعب، وليس أي شيء سواه .
الأمة التي تجد كل هذا الوقت للكلام، هل تجد وقتاً للعمل؟