تونس وبيروت
للمتألق يوسف أبو لوز
* دار الخليج
هل تتحول تونس إلى مدينة هي ملاذ للمثقفين العرب والإعلاميين والسياسيين والشعراء والكتاب والمفكرين الباحثين عن الحرية والهاربين من أنظمة القمع وسلب الإنسان كرامته في بلدانهم بما يذكر ببيروت في السيتينيات من القرن الماضي؟
إذا انتصرت نهائياً انتفاضة الشعب التونسي واستقرت الأوضاع على مستوى الدولة والمؤسسات الثقافية والإعلامية، وشهدت البلاد عهداً جديداً بالفعل، وأكرر بالفعل، فإن تونس ستكون وجهة الكثير من المثقفين العرب المنبوذين في بلدانهم، لا بل ستكون تونس في عهدها الجديد، إذا حصل، وجهة الكثير من الشباب العرب الباحث هو الآخر عن العمل بعدما أرهقته البطالة وفتكت به أسنان الفقر، وذلك لسبب بسيط هو أن مناخ الحرية هو أيضاً مناخ العمل .
الشيء بالشيء يذكر، فقد كانت بيروت قبل ثلاثين عاماً بيئة صحافة (ومازالت)، وكانت عروس البحر الأبيض المتوسط، فضاء رحباً للنشر وصناعة الكتب ونمو الأفكار وحوار العقل إلى جانب فضاء آخر يتألف من كتّاب عرب هاجروا إلى بيروت واشتغلوا في السياسة وفي الصحافة . بعضهم استقر نهائياً في بيروت وتزوج وكون عائلة واكتسب مع الوقت عادات اللبناني وثقافته وأناقته في الحياة وفي العيش، بل كانت بيروت في ذلك الوقت محطة ثقافية سياسية حرة لبعض الكتّاب الأجانب . نذكر من هؤلاء مجيء الكاتب الفرنسي جان جينيه الذي عاش فترة من الوقت في المخيمات الفلسطينية في لبنان ووضع بعد هذه التجربة كتابه الرائع .
محمد الفيتوري الشاعر السوداني الليبي عاش في بيروت وهناك كما يقول في أحد الحوارات معه وجد بما معناه توازنه النفسي، والشاعر المصري حلمي سالم عاش في بيروت خلال ثمانينيات القرن الماضي، والناقد السينمائي الأردني عدنان مدانات تكونت ثقافته الفنية السينمائية الرفيعة في بيروت، وهناك عدد كبير من الشعراء الفلسطينيين ابيضت قصائدهم وامتلأت قلوبهم بحب الشعر والحياة في حي الفاكهاني في بيروت .
كانت بيروت بهذا المعنى مدينة حرية ومدينة كتابة ومدينة عيش ومدينة حياة .
مع الاحتفاظ الكلي أمس واليوم وغداً بمكانة بيروت، ومع توجه أنظار العالم كله إلى مدينة عربية أخرى تتم بها صناعة الحرية بيد الشعب والناس العاديين البسطاء والجميلين هي تونس العاصمة، هل تواصل تونس دور بيروت الثقافي، وهي المدينة التي يعيش فيها مثقفون وكتّاب ومتعلمون وجامعيون وأكاديميون مشهود لهم بالانفتاح وآفاق الفكر وثقافة الرأي والرأي الآخر؟
في كل الأحوال الأمر متروك إلى الخلاصات الأخيرة التي تنتهي إليها انتفاضة الحرية في تونس .