النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: أتذكر فقط للمتألقــة ظبيــة خميــس

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    Exll أتذكر فقط للمتألقــة ظبيــة خميــس

     


    أتذكر فقط

    ظبية خميس

    * الملحق الثقافـي / دار الخليــج






    يمرون كنسيم عابر، يترك وراءه ما تتركه قبلة طفل على خد متعب .

    أفكر بهم وأحصيهم، أحياناً قبل أن أغفو وأحياناً حال ما أفتح عيني، وأتساءل في أي عالم هم؟ في أي عالم أنا؟

    لا يبدو الأمر حقيقياً، كأنه عالم واحد، ربما كان هو النسيان، الغفلة، رحيل مؤقت، انقطاع خطوط الهواتف، تبدل الأرقام، عناوين تاهت عنا . ربما أعثر على أحدهم عند ناصية الشارع أو منعطف الطريق، أو في مقهى ما لم أرتده منذ سنين، أو بيت تخلفت عن زيارته منذ مدة من الزمن .

    ربما هم في مستشفى ما، لا أعرف في أي من غرفه ينامون، أو قد يكونون هاجروا ونسوا أن يكاتبوني . ربما لا يتقن بعضهم استخدام الكمبيوتر والنت والإيميل، ليرسلوا إليّ، ولو رسالة قصيرة يطمئنونني عليهم ويطمئنون عليّ .

    لعلني أنا المقصرة، ماذا لو جربت الاتصال بهم، فتح أجندات قديمة وجديدة لأجرب على أحدهم، يرد عليّ . . فيتذكر، وأتذكر معه، أو معها .

    مازلت أشم روائح بعضهم، أسمع قهقهاتنا وكلماتنا وشجاراتنا ومحبتنا . مازلت أطعم مذاق آخر طعام تناولناه، آخر شراب تبادلناه معاً . مازلت أتذكر درجة الإضاءة، والتوقيت ولون غطاء المائدة، وأسمع أصوات الأطباق والشوك والسكاكين .

    سأجد أبي يحمل الماء ليروي أشجار النخل والنبق واللوز، وجدي يناولني بيض اللوه الذي جلبه من آخر رحلاته البحرية . سأشم رائحة خبز ما اسمه . . لعلني نسيته بالرغم من زعم أنني أشم رائحته الجباب والمحلى والرقاق والعسل العماني والجامي، وأنا أتناوله في الصباح مع أمي، وأرى ابتسامتها تنير لي الغد قبل الأمس . سأتذكر بألم أخي سيف وأسمع دندنة عوده، وأخي علي وهو يدثرني بلحاف الشتاء .

    سأنهي نهاري بالمرور على مي غصوب في مكتبة الساقي في لندن، وأشرب القهوة معها، وأحكي لها الحكايات ثم آخذ بعض الكتب، وأمضي إلى بيتي، في أولد بومبتون روود .

    سأدخل إلى المكتب وأوبخ كمال مصطفى السوداني لشربه عشر زجاجات من الماء المثلج، قبل أن يكمل نصف ساعته الأولى في المكتب، في عز الشتاء، وسيلقي لي بأبيات من شعر المتنبي، فيما يحدثني شكري سعد عن أسعار العقارات، وزيادة المرتبات، ثم يمضي الأول في آخر الشتاء ويلحقه الثاني في آخر الربيع، تاركين لي ولعبدالوهاب وداروخ وسعدية أشباحهما على مكتبيهما .

    محمد عفيفي مطر يحدث الأصدقاء عن رحلتنا إلى سويسرا، ومهرجان المتنبي، فيما يلتهمون الطعام، ولا يتبقى له شيء من الملوخية والدجاج على المائدة، فيلتفت إليّ ساخطاً ليقول “وهي دي عزومة دية!!” وسأرى محمد الحسيني متمايلاً في مشيته، يرتل عليّ أشعاره في زحمة الطريق، ونجلس معاً في جروبي والأوديون ولو جريون والاتيليه وزهرة البستان والنادي اليوناني، ونسهر معاً منتشين بغناء علي الحجار في الميناهاوس والماريوت وصنسيت، بصحبة نبيلة وأحمد إسماعيل وآخرين . نسهر كأن لا غد لليلنا ذلك .

    سيكون يوسف خليل لايزال جالساً في بلكونة شقتي في الشارقة، يقرأ لي مقطعاً من رواية جديدة من رواياته عن الدغل السوداني، ويراكم المخطوطات على مقربة منه، فيما أحمد راشد ثاني يختلس الكتب من مكتبتي، وحسن شريف يشتم العالم الاستهلاكي المزري الذي يراه من حوله، فيما خالد ونجوم يتبادلان الهمس، ويخططان لزواجهما بالرغم من أنف الجميع .

    يجلس غانم غباش في عباءة محبته، يخطط للعدد القادم من الأزمنة العربية، ونحن حوله وأنا وخيرية ربيع وسلمى مطر سيف وأمينة بوشهاب وإبراهيم الهاشمي وكامل يوسف حسين وسمر سعد وزهير قصيباتي ومحمد غباش، وسأرى هالة معتوق وعبدالله حبيب وموزة مطر ومحمد مطوع وخليفة بخيت وشوقي رافع وآخرين، يمرون بين دهاليز المكان، وفي البيت في الحمرية، والمزرعة، في العوير، وأرى أحلاماً ووجوهاً لم يبق منها سوى بعض ملامح وأسماء في رأسي .

    يمرون

    يعبرون

    يختفون

    ويعودون ولكن أبداً لا يرحلون من رأسي على مر السنين .

    أحصيهم، وأقول: كانوا هنا . . أين هم اليوم؟ أتذكر الوجوه ثم أبحث عن أسمائها . سيد خميس، فاروق البقيلي وروايته الهولة، رؤوف عياد، خالد عبدالمنعم وعمر نجم وعبداللطيف الصمودي، ومحمد الماغوط، وفاروق عبدالقادر . عبدالوهاب البياتي وإحسان مراش وأنور كامل وسعيد العويناتي وعبدالرحمن منيف ومعين بسيسو، وليلى الشربيني، وأروى صالح، وكتابها المبتسرون، وسنية صالح والحاج مدبولي ومحمد حاكم وفريدة الرسامة الملكة ووصال خالد، وكامل الزهيري ومحمد عودة والطيب صالح وغالي شكري . محمد زفرات ومحمد شكري وعاطف الطيب وأحمد زكي وسعاد حسني وإدوارد سعيد . محمود درويش والأميرة دايانا واوكتافيو باث ودوم موريس وزايد وغيرهم، بعضهم أصدقاء أحياء وبعضهم علامات زمان ووجدان .

    ثم أتذكر أنه حتى الأحياء الذين ما أزال أعرف أنهم أحياء دخلوا في الحيز نفسه، أو يكادون، تمر السنين الطويلة من دون أن أكون رأيتهم، أو سمعت أصواتهم، لا لسبب معين، ولا لخلاف فقط، زمن يمر وهم يعرفون وأنا أعرف أننا لانزال أحياء، على هذه الأرض .

    وحين نلتقي بالمصادفة أو الميعاد، كأننا بالأمس للتو التقينا، كأن الزمن لم يمر، نتبادل أخبار الموت والفقد والمرض، ومشروعاتنا التي أنجزت والتي لم تنجز بعد، والتي لن تنجز أبداً، نتبادل باقة من الأخبار السريعة الموجزة لكتاب الحياة، والموت، أخبار لاهثة حول الأحوال الصحية والطقس وقائمة من فقدناهم من الأهل أو الأصدقاء . هكذا التقيت جواد الأسدي، ونصري حجاج، وسيف الرحبي في بيروت منذ أسابيع، بالرغم من أنني لم أرَ بعضهم منذ عهود من الزمان . نلتقي ونفترق، ونقرأ أخبار حياتنا وموتنا، ربما في الصحف أو عبر شريط إخباري، أو ربما بالمصادفة عبر جملة عابرة، يخبرنا بها صديق أو أحد ما .

    حوارات بعضها قصير للغاية، لا يليق بربع قرن أو ثلثه أو سنوات من الانقطاع والغياب . كأن التقي حبيب الصايغ بعد ربع قرن من الزمان، لنتحدث عن اتحاد الكتّاب، أو يهاتفني بنجامين زافنايا ليخبرني بأمسية شعرية له في القاهرة، فأكون في بيروت أو تزور صديقتي كي بلمكر الإمارات لأول مرة في حياتها، وأكون في القاهرة ولا نلتقي بعد 30 عاماً من الفراق، أو يحادثني زوجي السايق عبدالعزيز العويشق بصحبة صديقتي فاطمة لوتاه من روما بعد غياب طال، فنتحدث لثوانٍ عن الطقس هنا وهناك .

    ربما كان الحوار عن الرماتيزم أو الطلاق، أو الترمل أو الثكل . ربما كان الحوار عن الأسهم والخسارات المالية، أو نميمة محببة عن قصص قديمة، أو مشروعات جديدة . كل ذلك يحدث لبرهة استثنائية . . ولا أرى منه إلا ما قد كان منذ عهود طويلة، انطوت من الزمان، وبقيت كما هي في الذاكرة .

    أفتح غطاء علبة موسيقا صغيرة

    ألامس القطيفة الخضراء

    وأصغي إلى بيانو يعزف شوبان

    أرقب عقارب الساعة وأتساءل: ما كان كل هذا . . وذلك؟!!

    وتمر نسمات أرواح تعبرني، تاركة وراءها لمسة باردة وحانية على خدي وروحي .

    إنني أتذكر

    دائماً أتذكر، فقط.

  2. #2
    مشرفة سابقة
    تاريخ التسجيل
    9 - 7 - 2009
    الدولة
    دار القواسم=
    المشاركات
    13,119
    معدل تقييم المستوى
    279

    رد: أتذكر فقط للمتألقــة ظبيــة خميــس

    ماذا ارى لكي اتحدث عن ذلك الابداع في انتقاء الاجمل
    كل مالديكي الابداع والتميز في وضع المواضيع ,,
    اهنيكي سيدتي بهذا
    ابعث لكي من القلب زهور بيضاء معطره بالاخلاص والتقدير
    اقبليها مني سيدتي ,,,
    والان في امان الله ..
    لا تحاصر نفسك بالسلبيات ولا تحطم روحك بالحزن والاسى ..
    استفد من فشلك وعزز به تجربتك ..
    توقع دوما الخير ولو صادفت الفشل ..

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •