الثبيتي مكرماً بعد غيابه
للكاتب إبراهيم اليوسف
* دار الخليــج
ما أن توقف قلب الشاعر السعودي محمد الثبيتي عن النبض، بعد صراع طويل مع المرض، الذي تعرض له، إثر نوبة قلبية، دخل بسببها مرحلة الغيبوبة، وظل طريح الفراش، حتى ساعة غيابه الأخير في الأسبوع الماضي، حتى بدأ كثيرون من حوله يراجعون أنفسهم، للوقوف على التقصير الكبير من قبلهم بحق الشاعر، ليبلغ هذا الشعور ذروته لدى عدد كبير من الشعراء والمبدعين والنقاد، بل والمؤسسات الثقافية، ولاسيما أن هناك كثيرين قد آذوه إلى وقت طويل، وهو ما كان ينعكس على قصيدته باعترافه الشخصي، بل إن هناك من كان يرفع صوته عالياً، تحت هذه الذريعة أو تلك للحيلولة دون نيله إحدى الجوائز التي يستحقها .
وقد جاءت الأمسية التأبينية التي رافقت أول أيام رحيل الشاعر، وبالتوازي مع مجلس العزاء الذي أقيم له في مدينته، لتكشف عن مدى إدراك هؤلاء وغيرهم، أهمية صوت الشاعر الثبيتي، كواحد من أهم الداعين إلى حداثة الشعر، في وسط يعد كما يقول عبدالعزيز المقالح مهد القصيدة العربية الأولى، ما كان يدفع إلى أن يعتبر هؤلاء أن مجرد الخروج على شروط القصيدة التقليدية مساس كبير بقدرها، ومكانتها، وهو ما دفع ببعضهم للتأجيج ضد الشاعر نفسه ما جعله ينكفئ بعيداً، عن وسطه الاجتماعي، يواصل تلظيه في محراب القصيدة مهجوساً بأوار التجديد .
ثمة شهادات كثيرة قيلت في الشاعر، وإبداعه، ومنزلته الشعرية، من قبل زملائه هؤلاء، ركزت جميعها على مسألة دور قصيدته في الحداثة الشعرية، محلياً وخليجياً وعربياً، والإشارة إلى مواطن التجديد في هذه القصيدة، لغة وصوراً، وانزياحات وبناء، ومدى تأثير صوته في الحركة الشعرية في بلده، واعتباره ضمن هذا المفهوم قامة عالية، ذات خصوصية، بل نقطة تحول إبداعية بارزة في مسار هذه الشعرية، واسماً لا يمكن تجاوزه بأي حال، عند تناول الشعر السعودي الجديد .
أجل، لقد أبانت الأصوات التي ارتفعت عالياً، منادية بإنصاف الشاعر الثبيتي، ولو بعد رحيله، مدى الظلم الكبير الذي لحق بهذا المبدع الاستثنائي الذي اعترف بحضوره الإبداعي شاعر كبير فذ، كمحمود درويش، بينما كشف تعرضه للمرض الذي رحل بسببه، أن أسرته لم تكن قادرة على تأمين ما يكفي من مال لمتابعة علاجه، وأنها لا تزال من دون منزل لائق بها، ناهيك عن أنه ظل مهمشاً من قبل الوسط الثقافي المحيط، ولم يأخذ حقه المطلوب، وهو ما دفع هؤلاء الغيارى على الثقافة والإبداع يطالبون الجهات المعنية في بلده للوقوف مع أسرته، بل وتكريمه، وتخصيص جائزة للإبداع تليق بمقامه الإبداعي الرفيع .
لقد جاء رحيل الشاعر الثبيتي، وفي هذه الصورة المأساوية ليطرح من جديد السؤال حول وضع المبدع، وضرورة الاهتمام به، وتوفير سبل الحياة الكريمة له، بل وعدم السماح بالتضييق عليه، ما دام أن الإبداع هو في المحصلة شأن وطني صرف، ومن هنا فإن التكريم الكبير له، إنما يكون في حياته، لأنه قد يكون حافزاً على توفير مناخات إبداعات أكبر، لأنها من أكبر كنوز الأمم والشعوب .