[mark=#990000]لهؤلاء الحجريين الهاربين

محمــد الأسعــد

* الملحق الثقافـي / دار الخليــج
[/mark]







أمام هذا المشهد، أفكر بأصحاب المدائح الذين منحوا الطغاة الحجريين، وقد أصبحوا بقايا خرساء أو هاربين، أرواحهم . أفكر بأولئك الذين انحنوا وهم يتلقون الأوسمة على المنصات أمام جمهور مصطنع من خوف ورهبة ورغبة . أولئك الذين افتتنوا، وقد اعتلوا المنصات، بظلال مستبدٍ حشد حولهم ولهم جمهوراً يصفق ويتمايل طرباً . أولئك المخادعون للشعر والنثر والتاريخ وترانيم أمهات المعتقلين والمشردين والقتلى في سجون المستبدين .

أفكر بأولئك الذين صنعوا من المستبد أسطورة، ولم ينسوا أن يصنعوا لأنفسهم أساطير تستظل بظلاله . وأنسى للحظات هذه البقايا المتناثرة، حاشية الثوب أو الجذع أو القاعدة الحجرية المقلوبة، وأتساءل عن هؤلاء الحاضرين الآن في الذاكرة، مبتسمين وهانئين، في قبورهم أو مكاتبهم، بما اقتنصوا من فرص الإثراء والرحلات والمهرجانات، وآلاف الأشرطة التي تصدر منها أصواتهم في هذه الزاوية أوتلك في ظلال الاستبداد وفي غيرها .

لم تكن المناسبة فقط هي سقوط منصة أحد المستبدين الهاربين من تونس ومعها سقوط كلمات شعراء وكتاب وفنانين في الفراغ، بل هي هذا التساقط المتواصل عبر التاريخ لشظايا كائنات السلطة المالية والقمعية وبجوارها أكوام من مدائح المداحين والكذبة .

هل نحاسب شظايا المستبد وننسى صناعته التي أجادها هؤلاء، مفتونين بصورهم بجواره أو غارقين في وهم أبديتهم المستمدة من أبديته؟ هل ننسى تلك المسرحيات الهزلية الباذخة حين كان يقف ممثل الشعر والثقافة ليقدم، ليس باسمه فقط بل باسم ثقافتنا، فروض الولاء لمستبد لم يحسن في حياته سوى ما يحسنه الجهاز الهضمي من وظائف؟

إذا نسينا، واكتفينا من الذكرى بالطواف بين حطام الحجريين الهاربين، نكون نسعى وراء ظل أو شبح لم يعد ذا قوام، متجاهلين إن صناعة المستبدين هي جوهر وعمق مأساة ثقافتنا في الزمن الراهن، كما هي في كل الأزمان . هذه الثقافة التي تخدع بالكلمات والتطريب جماهيرنا، تستهزئ بآلامها، ترافق بإيقاعاتها مسيرة حاشية المستبد أينما حلت، تروح عنه وعنها بمراوحها، وتخرج ألسنتها ساخرة من المعذبين في الأرض الذين لم يدركوا بعد نعمة التنعم والتقلب على أمواج الكلام .

لا ينتهي عهد المستبد حين تندفع جموع المعذبين إلى حدائقه الغناء فتحطم تماثيله، أو حين تراه هارباً مرتعداً . المستبد جيش من وجوه وأقنعة اتخذت في الماضي، كما تتخذ في الحاضر، مرابض في كل أرجاء ثقافتنا، في الكلمة الشعرية، في الرواية، في المقالة السياسية، في المنحوتة واللوحة . . في كل تفصيل يتعامل مع الفكر والوجدان . وحين نتوهم أننا تخلصنا منه، نفاجأ به واقفا في كل المنعطفات، عائداً ومستعداً دائما لمباشرة مهمة صناعة المستبد مجدداً .

يقال في أساطير القرون الأوروبية الوسطى أن عالماً اسمه “فاوست” باع روحه للشيطان، ويقال في أساطيرنا العربية أن صبياً ساذجاً اسمه “علاء الدين” اكتشف مارداً في مصباح سحري . فما كان من الأول إلا أن طلب ملك الحاضر والماضي، وما كان من الثاني إلا أن طلب المآدب الفاخرة والقصور الفانية . ليس لروح علاء الدين، وقد أصبح يرتدي الآن أزياء المثقف، قيمة كما يبدو، فهو يمنحها لكل من هب ودب لقاء مأدبة وأمسية شعرية وحشد من الناس والأضواء . يمنحها للمارد والشيطان على حد سواء . ومطلبه الأول والأخير ملء بطنه والتقلب في أحضان غانية . ليس هذا هو وحده ما يصنع من ثقافتنا مهزلة ومأساة على صعيد واحد، بل ذلك الخداع الذي يمارسه طقس المستبد والمثقف أمام الأنظار، فيتحول المستبد إلى مثال سماوي، ويتحول المثقف إلى ناطق باسم الحقيقة والضمير، أو رمز كما يقال ينطق باسم الأمة .

هاهو المستبد يذهب، هارباً أو مختفياً عن الأنظار، ولكنني أتساءل الآن عن تلك البطانة من المداحين؛ أين هي الآن؟ هي لن تخرج وتصعد إلى هذا المسرح المتهاوي، ولن تعتني بالتقاط مدائحها الموزعة على أطراف الثوب أو القواعد الحجرية المقلوبة، ولكنها ستواصل مسرحياتها على مسارح أخرى .

هل تحاسب ثقافة من صنع مستبديها؟ هل تحاسب من رقص في مباذلهم وحولها إلى نادل على موائدهم؟ هل يعرف معذبو الأرض إن المستبد بأمورهم ومطارد أحلامهم وساحق زهرات شبابهم لايصنع نفسه بنفسه بقدر ما يصنعه الكذبة والدجالون باسم الفن والشعر والثقافة؟ وإنه لولا هذا المستنقع وأعشابه الضارة ومياهه السوداء لما ارتفعت في سمائهم هذه الأقنعة الخشبية، ولما ارتدت مسوح الكهنة والعرافين والمتنبئين وذوي السطوة؟

ما يبقى هو هذه الشظايا، ولكن علينا أن نتذكر بالاسم والصورة أصناف النحاتين والحفارين الذين نقشوا على أطرافها مدائحهم، والذين تفننوا في تلوين حواشيها، ووقفوا ورؤوسهم منحنية أمام المستبد ليتلقوا مبتهجين عطاياه وأوسمته وما أضفاه عليهم من ألقاب أصبحت مقررة ترددها أبواقه وأبواق المخدوعين والمغفلين .

علينا أن نمحو التشوهات، لا في النظم وطرائق العيش فقط، بل وفي المدارك، لأن أخطر ما تقوم عليه صناعة هؤلاء الدجالين هو صناعة قيم ومفاهيم وتسويقها، صناعة صور تمثيلية لولي نعمتهم ولهم أيضا في سياقه . وتستمد هذه القيم والمفاهيم سطوتها على الأذهان وتواصل الحياة حتى بعد رحيل أو هرب هؤلاء أو اختفائهم .

نفتح صفحات التاريخ، فنجد صورا متعددة تبرر لهؤلاء المداحين نذالتهم باسم “القيم الجمالية” أو اسم “الفن” الذي أجادوه، وتفصل بين سلوكهم المخزي الذي تعف عنه أبسط الكائنات وبين “فنهم” . وكأن علينا أن نغفر للص لصوصيته إذا كان “شاعراً” أو “روائياً” أو “فناناً” . فإذا حاكمناه بسبب ما ارتكب بحق الأخلاق والسلوك القويم رُفعت لافتات الدفاع عن الانحراف بحجة “الفن” و”الجمال” . وتتحول اللصوصية إلى صفحة مطوية . بل ولا يصدق بعض المغفلين أن هذا الكائن “الطيب” و”المرهف” يمكن أن يكون محرضاً للمستبدين على اغتيال من يكشفون دجله وأسرار صناعته التي برع بها في تصنيع المستبدين وتسويقهم .

ما يبقى هو الشظايا، وهي مناسبة للابتهاج بالطبع، ولكن علينا أن نعيد قراءة النقوش والمدائح وأصداءها في الأجواء، فهي صناعة مستقلة بحد ذاتها، ولها أسواقها والمتكسبون منها . إنها صناعة تواصل التوالد والتوليد لأجيال وأجيال . وإلا . . كيف يتسنى لمستبد أن يجد المسرح مهيئاً له ولحاشيته في الفضاء والأذهان؟