حرب الوثائق

خيري منصور







إنها ليست حرباً جديدة إلا بالقدر الذي تتحول فيه إلى سجال مُحتقن، تحلّ فيه الإدانات والتخوين المتبادل مكان الحيثيات والاحتكام إلى القرائن، لترجيح ما هو أقرب إلى المنطق والتصديق، وما جرى خلال هذا الأسبوع من معارك كانت الوثيقة فيها هي المحور والبطل، يتزامن مع أحداث ساخنة في النطاق القومي، بحيث أصبح المراقب مطالباً بالمفاضلة بين حدث وآخر، اللهم إلا إذا كان قادراً على الاستشراف البانورامي للمشهد كله، وبالتالي التقاط ما هو مشترك، سواء في المقدمات أو النتائج التي توشك أن تحجب هذه المقدمات لصخبها وعلوّ نبرتها .

قد تقدّم وثيقة ما معلومات معروفة، لكن هذه المعرفة تبقى في حدود التداول الشفوي والتوقعات، خصوصاً عندما تتسبب أزمة الثقة في تصعيد الشكوك بين الناس والأطراف الذين تنطق باسمهم أو تزعم ذلك، لكن الوثيقة خصوصاً عندما تكون رسمية ممهورة بتوقيعات، أو شبه رسمية، هي بمنزلة مسودات أو اسكتشات تحوّل ما كان للتو قيد الشكوك والتوقعات إلى يقين، خصوصاً لدى مجتمعات تحظى فيها الكلمة المدوّنة بمكانة وجدية تفتقر إليها الشائعة، أو المعلومة الناقصة التي يضيف إليها من يتداولونها أو يحذفون منها ما ينسجم مع مواقفهم ورغائبهم .

لقد تحدثنا من قبل وفي هذا المقام، عن الحروب البديلة والقضايا المهرّبة بحيث تختفي الوقائع تحت قشرة من الصياغات الإعلامية التي انفصلت عن جاذبية الأرض والواقع لفرط ما فيها من تجريد .

قبل هذه الحرب التي دشنتها “ويكيليكس” كانت الوثائق تحجب لعقود أحياناً، وعندما يتم الإفراج عنها يكون معظم أبطالها قد رحلوا أو تقاعدوا .

إن حرب الوثائق هذه تشبه إلى حد ما الحروب كما تقدمها السينما في أفلام جيدة الإخراج . ولو قدر للناس أن يشاهدوا في الفيلم الخدع البصرية والألعاب التي تتم وراء الكواليس أو في خلفية المشهد، لفقدوا المتعة في مشاهدتها .

الوثيقة هي الفيلم وقد أضيف إليه ملحق بالحيل السينمائية والخدع البصرية والسمعية أيضاً، حيث لا أسرار ولا غرف مغلقة، ليس فقط على طريقة السر الذي إذا تجاوز الاثنين شاع، بل لأن الوثيقة في نهاية المطاف هي التعبير الأدق عما سبقها من حوارات ومفاوضات مرصودة بدقة، وحين يقال إن هذه الوثيقة أو تلك دامغة، فإن معنى ذلك أنها لا تقبل أي حكم للاستئناف، اللهم إلا إذا تبين أن هناك لعبة أو حيلة ما كالتلاعب بأسماء الأشخاص الذين ينسب إليهم الكلام .

إنها حرب في بواكيرها، لكن سرعان ما تؤدي هذه البدايات إلى حروب وثائق أخرى بأثر رجعي، بحيث يتضح للناس أن ما كان قبل نصف قرن من المسلمات واليقين، أصبح قابلاً لإعادة النظر، بحيث يعاد الاعتبار لمن أدين ويسلب هذا الاعتبار ممن كان معصوماً من الخطأ أو الإدانة .

وليست حرب الوثائق هي الحرب الوحيدة المقترحة الآن كبديل لحروب أخرى، فقد يأتي وقت تنفصل فيه الوثيقة عن محتواها، وتصبح تبرئة الذات من تهمة ما أهم من أرض أو وطن أو شهيد، وما يقوله أهل المنطق رغم ندرتهم في أيامنا، هو أن أرذل مراحل السياسة لا العمر، هي تلك التي تنفصل فيها المقدمات عن النتائج، تماماً كما هو الحال في فصل الاستيطان في فلسطين عن الاحتلال والتعامل معه بمعزل عن أسبابه والحاضنة التي أفرزته .

أما كم ستستغرق حرب الوثائق هذه من الوقت، وكم ستؤجل ما هو عاجل من القضايا الحيوية والمصيرية، فذلك علمه عند فقهاء الإنترنت والأنتربول وسائر الإنترنات .