طفلة جميلة اسمها الحرية
يوسف أبو لوز
* دار الخليــج
في الحروب الكبرى تظهر عادة طبقة من المنتفعين تسمى أثرياء الحروب، وهؤلاء ليسوا تجار أسلحة كبار وأصحاب صفقات، وإنما هم فئة من الناس العاديين يقومون بعمل تجارة صغيرة يومية مثل بيع الماء والخبز والدواء وتأمين الاحتياجات الضرورية التي تختفي في الحرب بأسعار كبيرة وذلك في إطار محدود وسلمي تماماً، فهؤلاء التجار الصغار الذين يتولون ما يمكن تسميته اقتصاد الحرب لا شأن لهم بالسياسة ولا شأن لهم بما يجري في الشارع من تحوّلات، وكل ما يفعلونه هو استثمار وضع الفراغ التجاري والاقتصادي وحتى السياسي بأعمال بيع وشراء بعيداً تماماً عن أسباب الحروب ونتائجها والسياسات المترتبة عليها، وكلما طال أمد الحرب ازدادت ثرواتهم سواء أكانت مشروعة أم غير مشروعة.
في الحروب وفي الأزمات السياسية الكبرى وعندما يحلّ الفلتان الأمني والسياسي والاجتماعي محل الاستقرار تعجز مؤسسات الدولة عن ضبط الشارع، فلا حسيب ولا رقيب، وفي مثل هذه البيئة المنفلتة، وبعدما تهدأ الأمور ويستقر الوضع في صورته الجديدة بعد الحرب، تشهد المجتمعات التي تعاني ويلات هذه الحروب ظهور تلك الطبقة التي يُطلق عليها في الأدبيات السياسية طبقة أثرياء الحروب.
جرى ذلك في الحربين العالميتين الأولى والثانية في الغرب على وجه التحديد، ولكن الصورة الأبشع في مثل هذه المجريات أن أثرياء الحرب الصغار يحركّهم أثرياء كبار هم في الأصل جزء من التركيبة الانتهازية القائمة في البلدان التي ابتليت بالحروب الكارثية التي لا تدمّر الأرض فقط، بل تدمر روح الإنسان وذاكرته وكينونته البشرية.
في أقل مستوى من الحرب، ولنذهب مثلاً إلى بعض الحركات الشعبية الانتفاضية يجري الأمر نفسه على صورة السلب والنهب، فالناس العاديون ليسوا ملائكة ولا أنبياء. منهم ضعيف النفس ومنهم عديم الثقافة ومنهم الجاهل والأمي والفقير، وهؤلاء في حالة الفلتان لن نتوقع منهم أن يكونوا مثاليين في مدينة أفلاطون الفاضلة، فهم أيضاً قد يتماهون ويقتربون في تكوينهم الاجتماعي من أثرياء الحروب.
هؤلاء العشوائيون والسلاّب والنهّاب في حال تشتت مؤسسات الأمن والسياسة يسهل جداً استغلالهم عن طريق ما سماه نجيب محفوظ القطط السمان، والانتهازيون الكبار الذين كل هدفهم هو تشويه حركة الشارع واختزال حلم التغيير إلى صورة بائسة هي صورة البلطجي.
بعيداً عن صورة البلطجي وصورة ثري الحرب، لا بد لأي مخاض شعبي حقيقي أن ينجب طفلة جميلة اسمها: الحرية.