لصوص المتاحف
خيري منصور
* دار الخليــج
كم مرة سيلدغ العربي كي لا يجازف بمد أصابعه إلى الجحر ذاته؟ هذا السؤال يقفز إلى سطح الذاكرة في كل مناسبة تتحول فيها التراجيديا إلى كوميديا سوداء، وتضيع أو تتبخر فيها هيبة الدم، ففي أعرق عاصمتين عربيتين كانت المتاحف عرضة للنهب ولبعثرة أحشائها ومحتوياتها في الشوارع، لكأن هذا الخلف ليس من صلب ذلك السلف، فلا الفقر أو حتى الجهل يبرران هذا النمط الوحشي من السلوك، اللهم إلا إذا كان المرء يثأر من أبيه فلا يشكره على ما ورث منه بل يبدد الميراث بسفاهة قاطع طريق .
ما من مشهد إنساني مفعم بالغضب ويقدم للعالم عينة من الكرامة القومية عندما تجرح إلا ويصاحبه ويقترن به على الفور هذا العرض الجانبي الذي سرعان ما يتحول إلى بؤرة المشهد وليس إلى مجرد عرض جانبي، خصوصاً عندما تتبادل الأطراف كلها الإدانات والتجريم، في بغداد عشية السقوط أكل الناس لحم بعضهم أحياء وموتى وقيل يومئذ إنه الغزو، وإن هولاكو امتطى بعد سبعة قرون صهوة دبابة بدلاً من الحصان، لكن ما حدث في القاهرة ولمتحف الانتكخانة الذي يضم النسبة العظمى من آثار كوكبنا لم يكن هناك هولاكو ولم يكن هناك أي غزو من خارج الحدود، إن كل ما كتب حتى الآن عن سايكولوجيا المقهورين والذات الجريحة، وعصاب الجهل لا يكفي للإجابة عما يحدث، فنحن العرب نقدم للمستشرقين وبأثر رجعي ما يبرهن على صدق أطروحاتهم حتى لو كانت هذه البرهنة غير حقيقية، لأن من تصدق عليهم أوصاف الاستشراق هم سلالة كنا نظن أنها بادت منذ زمن، لكن الحقيقة أنها باضت كالأفاعي في كل مكان .
نعرف أن هناك أفراداً في كل المجتمعات لهم خصائص الخفافيش، ويبحثون عن ليل تستطيل فيه أيديهم وتكون لهم حروبهم الخاصة والثأرية حتى في أكثر الحروب نبلاً ودفاعاً عن الكرامة الوطنية .
ولم ينج من هذه الظاهرة حتى شعراء كبار مثل بودلير الفرنسي الذي شوهد في باريس يتأبط بندقية لأول مرة في حياته ولا يجيد استخدامها فظن الجيران أنه يشارك في حرب لمصلحة بلاده لكنه سرعان ما أثار دهشة الجميع عندما قال إنها فرصة لقتل الجنرال الذي تزوج أمه الأرملة وحرمه من حنانها .
لكن هذه النسبة من أصحاب الثأر أقل بأضعاف مما رأينا في بغداد والقاهرة وما قد نرى في غيرهما من عواصم لم تعد تعصم أحداً من أبنائها .
إن من حق الشعوب أن تعبر عن مكبوتها سواء كان سياسياً أو اقتصادياً، وأن تندفع في لحظة يفيض فيها الكيل ويتجاوز سيل الدمع الزبى نحو أقاصي الغضب، لكن من أين يأتي هؤلاء الذين لا يمكن وصفهم بالشعرة التي تفسد الحساء بقدر ما هم الذئب الذي يتخفى ليدس نفسه بين الغزلان .
إن كانت هذه المشاهد سوف تتكرر في كل مكان تحت هذه السماوات العربية المحتقنة والمفعمة بزفير الغضب فإننا على عدة مواعيد مع مضادات التغيير، ونبل المقاصد التي تتجه إلى تحرير الواقع من كل ما علق به من شوائب الفساد والظلم .
الأمر تربوي بامتياز، فهؤلاء لم يهبطوا بمظلات من طائرات الأعداء المغيرة ولم يولدوا فجأة من شقوق الصَخر والجدران، أين كانت النخب والقباطنة عندما كانت هذه السفن تثقب كالغربال تحت كل المقاعد؟ وهل يستحق كل مجتمع ما يفرزه من القتلة قدر استحقاقه ما يفرز من القضاة والصالحين كما يقول أهل المنطق؟
المتحف هو الأقنوم الأول في الدولة كما يحدد ذلك التعريف الكلاسيكي لنشوء الدول، وهو كثافة التاريخ التي تقطرت في حجر أو إناء أو مومياء فلماذا أصبح غزو المتاحف في بلاد العرب تقليداً متكرراً في كل انتفاضة شعبية، ومن أين يأتي هؤلاء الأشبه بالفيلة التي تدخل إلى متحف الخزف؟
ما صرخ به واستغاث المخرج المصري خالد يوسف وهو يرى المتحف موشكاً على النهب والاحتراق يشعرنا جميعاً بالحرج أخلاقياً وثقافياً؟