ما قاله الغريق للبحر
حبيب الصايغ
* دار الخليــج
البحر يسمع . ينصت، يستجمع كل قواه حتى يفهم المتفرجين والغرقى . يحاول، ويبذل المحاولة تلو الأخرى .
يضع في أذنيه سماعتين أسطورتين، ويذهب في المحاولة من جديد . يوحي البحر، بهذا الفعل، أنه كان مشغولاً بحكايات خاصة . كان يبث قواقعه في الشواطئ، والطرقات الممتدة إلى بيوت الناس . كان البحر يحاول فهم الناس عبر وسيط ووسطاء، وهو اليوم اكتشف حجم الخطأ أو الخطيئة، ويريد أن ينصت إلى الناس مباشرة . قال البحر إنه يفضل الغناء على الكلام الاعتيادي، وقال كلاماً كثيراً، معظمه لم يكن مفهوماً، لأنه لم يكن يتكلم ب “العربية” وإنما بلغة البحر، وهي، على ما يبدو، مزيج من لغات عالمية حية، بل إن بعضها ميت، أو معزوف عنه منذ عشرات القرون .
وقال أحد الغرقى القدماء المنسيين: ما أردت مجيئك يا قاتل الموج فارجع لينحسر الزبد المتثائب عن موضع تشتهيه النوارس، فارجع، وإلا غرقت ومت غريقاً، وما عرفتك السواحل والأشرع .
ذاك قبري يلوّح بين يديك، فدعه ليأتي إليّ . . يسامرني وأعيش معه .
أنتما الأزرقان تريدان أن تقلعا لثتي
فافعلا
واحملا
من دمائي خيط دم يتباعد عني وأرغب أن اتبعه
أنتما ترسمان شحوبي، وها هو يكمل وجهي، ويضفي على صورتي مسحة من هدوء ومن زوبعه
تكلم الغريق . من صميم قلبه المنفطر المكسور تكلم ولم يقل كلاماً اعتيادياً: غنى البحر بعيداً وعميقاً، وتراءت على امتداد الأفق الغربي أشرعة بيضاء ترفرف كالرايات
صفاء الخريطة لُطخ بالبقع الزرق . وسّخه البحر . بحر خليٌ من العشب والراسيات . خليٌ من البحر والأطلسيّ .
ومحبرتي انكسرتْ فانكسرتُ . انكتبت على ورقٍ ناشفٍ ما يحس حنيني إلى موجة ما أتت وأتى البحر متكئاً فوق عكازه الخشبيْ .