|
|
ذلك الميدان
خيري منصور
* دار الخليج
من عاشوا في مصر أو زاروها في الستينات وحتى مطالع السبعينات من القرن الماضي لا بد أنهم يتذكرون تلك الساحة الشاسعة، والتي كانت تزدان بساعة عقاربها من الزهور وفي وسطها دليل مضاء بكهرباء ساطعة يدل الغرباء على مداخل الشوارع والأمكنة التاريخية، لكن الزمن القاهري تبدل شأن العديد من عواصم العالم، فلم يعد مقهى استرا القديم الجاثم عند خاصرة الساحة يعج بالمثقفين والناشطين بل أصبح مكانه مطعم للوجبات السريعة، تماماً كما اختفت أمكنة أخرى اقترنت بالمثقفين وكانت تشكل ملامح المدينة مثل مقهى ايزوفيتش ومقهى الاريزونا أو صفية حلمي في ساحة الأوبرا والذي انتقلت إليه حلقة نجيب محفوظ الحوارية بعد مقهى ريش .
قد تبدو هذه الوقفة عند ميدان التحرير سياحية لكنها سياسية بامتياز، لأن الاسم الذي حمله الميدان كان بحد ذاته ثورة، فالاسم القديم للميدان هو الإسماعيلية نسبة إلى الخديوي إسماعيل الذي كان مفتوناً بباريس فحاول محاكاتها عمرانياً في القاهرة الخديوية .
في ذلك الميدان سطعت شمس الظهيرة القومية لمصر في الثالث والعشرين من يوليو/ تموز ،1952 وحولها تقف عدة صروح ذات دلالات تاريخية وسياحية كجامعة الدول العربية والمجمع الذي تحتشد فيه دوائر رسمية لتصريف شؤون المواطنين، إضافة إلى الفندق الذي عقدت فيه القمة الأولى في القاهرة وشيد بينه وبين مبنى الجامعة جسر لعبور الرئيس وضيوفه .
الاحتشاد في ميدان التحرير له دلالات تتخطى كون هذا الميدان صرة المدينة، فهو بدءاً من اسمه تحول إلى رمز مكاني ينافس الزمان في نفوذه العاطفي، وحين يصر الشباب ومن لحق بهم من الكهول على المكوث فيه رغم الصقيع الذي يصل ذروته في هذا الشهر الذي يسمى في التقاويم المصرية شهر “أمشير” فإن لهذا المكوث بإصرار دلالتين على الأقل، الأولى متعلقة بالمكان ذاته وبتاريخه منذ ثورة يوليو وبما تردد في جنباته وزواياه من أصداء خطابات نارية قبل حرب حزيران وبالتحديد أثناء العدوان الثلاثي على مصر بعد تأميم قناة السويس، والدلالة الثانية هي أن هذا الميدان هو بمثابة القاسم المشترك الأعظم بين المصريين جميعاً لكأنه عاصمة العاصمة، أو ميدان الميادين كلها الذي ترتبط به الشوارع الأمامية والخلفية كما لو أنها شرايين القلب .
الجميع على اختلاف المواقف والمشارب السياسية يصفقون لهؤلاء الشباب، لكن سرعان ما يختلف المشهد عندما يطالب المصفقون بتكرار الاحتفاء مع مطالب الشباب، ثمة إذاً، قطع أو عزل بين الشباب وبين ما يقولون، وهذه فرصة نادرة لاختبار هؤلاء الذين امتلكوا أجهزة إنذار مبكر، ودربوا حاسة الشم لديهم على أن يميزوا عن بعد بين رائحة الفحم الحجري والفحم البشري، وليس صعباً رصد هذه الظاهرة المتكررة الآن سواء كان ميدان التحرير مسرحها أو أي ميدان آخر في بغداد أو تونس أو بيروت أو صنعاء .
وإذا كانت الولايات المتحدة تترقب بحذر بالغ رجحان كفة على أخرى فإن مثل هذا الرصد له تجليات عربية محلية، تجسدها النخب التي تريد أن تكون مع الرابح، لهذا تسود ذهنية المباريات ورهانات الخيل على خطاب أملس بلا أية تضاريس على الاطلاق، فثمة من يمسكون العصا من الوسط، ناسين أن التشبث بمنتصف العصا قد يتسبب في عرق الكف، وبالتالي لا بد لهذه العصا أن تنزلق يساراً أو يميناً .
لقد أدلى دم المصريين بصوته على مسرح تلك الساحة، ما يفرض علينا جميعاً أن نحترم هذا الصوت الدامي، وأن نبدل من مناهج التوفيق والتلفيق العائدة لحساباتنا الشخصية الصغرى وليس لهذا الطرف الفائز أو ذلك الطرف الخاسر .
ميدان التحرير لم يعد صالحاً لالتقاط الصور التذكارية على باب المتحف أو تحت الأسدين اللذين يحرسان سعد زغلول . . إنه الآن المساحة الحرجة في تاريخنا المعاصر .