|
|
التشكيلية القطرية أمل العاثم تصوغ بحثاً فنياً في اللون والفراغ
تعد واحدة من أبرز الوجوه التشكيلية والثقافية عموما في الخليج العربي تتسم أعمالها بشفافية عالية، واحترافية في التعامل مع اللون، كما أن الذات تحضر بهواجسها وقلقها في فضاء اللوحة، فأعمالها المعروضة الآن في الدوحة تشي بالأسرار، حيث تطل كائنات الفنانة الخفية ورموزها التي تعتمل في بطن اللوحة مثلما اعتملت في باطن منشئتها، ذلك مقطع جانبي من شخصية الفنانة التشكيلية أمل الغاثم .
اللوحة عندها محكمة في بنائها حيث تتخلص من الحواشي والزوائد، إنها متن روحها، الأبيض والبياض لهما معا سطوة مرئية أحياناً وخجلة أحيانا أخرى، إنه النور الأسنى الذي يبرز من عوالم أمل العاثم، كما أنهما يمنحان رغبة في التحدي والصراع بين العشق والشر . على الرغم من الألوان الزاهية التي التجأت إليها، نحن أمام تعدد وثراء في الأبنية والتراكيب والقطع والأسطح، إنه التعدد في السياق الواحد، واللغة الواحدة التي تتعدد وتتنوع وتحمل رغبتها في الخروج من الأسر والنمط .
أغلب اللوحات طولية، كما أن الشخوص المتوارية في بعض اللوحات يتمتع بطول القامة، كأننا أمام سؤال مشروع هل حجم اللوحات “وهي هنا كبيرة” واتجاهها له علاقة بتكوين الفنان الجسدي .
هل هذا المعرض هو سيرة روح شكلاً ولوناً؟ عموماً إن الفن ما هو إلا ترجمان لأشواقنا وآلامنا .
أمل العاثم في هذه التجربة تخرج إلى فضاء جديد يتواصل مع منجزها السابق، لكنه في هذه المرة مفارق ومجاوز بدرجات كبيرة، فهي فنانة تسعى دوماً نحو المجهول، تتسم بالمغامرة غير المحسوبة، مؤمنة أن لا حساب في الفن .
تقدم أمل العاثم في معرضها أحدث تجاربها التشكيلية، والتي اتجهت بها، وبشكل أعمق، وأكثر جرأة، ومغامرة نحو التجريد، وتوظيف تقنيات اللون وتعبيراته .
بدأت رحلتها الإبداعية عبر دراستها في المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت عام ،1989 لتحصل على البكالوريوس في التربية الفنية من جامعة قطر سنة ،1995 وتنتمي تجربتها الفنية إلى المدرسة الواقعية لتنطلق منها نحو مدارس أخرى مروراً بالتأثيرية وفن الكولاج والفن المركب، وصولاً إلى المدرسة التجريدية الحديثة .
تعددت مشاركات أمل العاثم محلياً ودولياً، واستحقت على أعمالها جوائز وشهادات تقدير قيمة من مؤسسات مختلفة أهمها: الجائزة الكبرى في معرض الشباب الأول في قطر سنة ،2004 وجائزة تصميم شعار مجلة الدوحة الثقافية سنة ،2006 إلى جانب شهادات تقدير من بينالي القاهرة ،2004 ومهرجان بيشيلية لدول حوض البحر الأبيض المتوسط، إيطاليا ،2006 فضلاً عن جوائز التقدير والإنجاز من المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث من 2002 إلى ،2007 لمشاركاتها المتميزة في فعاليات مهرجان الدوحة الثقافي .
حول أعمالها الجديدة تقول: إنها تمثل ترجمة لخبرتي المعنوية والروحية، في مرحلة مهمة من حياتي وفني .
وترى أن الإنسان عامة والفنان خصوصاً هو ابن بيئته بما فيها من مفردات وخصائص وعناصر مادية أو ثقافية، تتسلل إلى وعيه عبر الأيام والشهور والسنين حتى تشكل ذاكرته البصرية وتكوّن مخزونه الصوري، وتنمي بشكل غير مباشر مخزونه النفسي والروحي، وتشير إلى أن ملامح البيئة تسهم بالضرورة وبشكل مباشر في تشكيل وعي الفنان .
وتقول إن بعض مجتمعاتنا في الشرق لا تزال تسيطر عليها الثقافة الذكورية التي لا تكاد تلحظ أن هناك أنثى تمارس فعل الحياة أيضا، فتعاملها على أنها كائن من الدرجة الثانية يجب أن يأتي ويذهب في الظل، دون أن يلحظ أحد، فالمرأة على مر التاريخ ليست فنانة فقط، بل كانت ومازالت ملهمة لكل المبدعين، فمن يستطيع أن ينسى موناليزا دافنشي، ونساء رفائيل، أو صورة فينوس وهي تخرج من زبد البحر .
وعن مصادر إلهامها تقول أمل العاثم: “في أعمالي أستلهم شخوصاً وهويات لنساء في حالة من التيه والفقدان يبحثن عن الخلاص خارج ذواتهن وخارج البيوت التي تظهر دائماً بلا ملامح، حيث المكان . . لا مكان، وحيث الزمان . . لازمان، وهي أيضا تتويج لحالة حوار وبحث دائم مع النفس وعنها، وبحث عن الذات داخل الذات،علها توجد بين أقباس الضوء والعتمات، وفي محاولتي لإيجاد معادل جمالي لهذه المشاعر والأفكار، ومعالجتها بالخطوط والظلال والألوان على مسطح اللوحة، كلما اقتربت من الوصول، اكتشفت أنها مازالت بعيدة، فأبدأ البحث من جديد، ولعل هذا ما أكسبني الجرأة اللازمة لتصبح ضربات ريشتي أقوى وإيقاعها أسرع وخطوطها أكثر حرية وحيوية، لكنني أدرك أن الحقيقة بعيدة وأن الخلاص ينبع دائماً من داخلنا ولا يأتي أبداً من الخارج”، وتضيف: “رغم كل هذه النشاطات والفعاليات التي قمت بها أو اشتركت فيها، فإنني مازلت في أول الطريق وفي مرحلة البحث والتجريب، فأنا أحاول أن أقدم بحثاً فنياً في اللون والفراغ، حيث اللون يحفزني والفراغ هاجس أصارعه، في محاولة لسبر أغواره وكشف الستار عن المجهول الكامن خلف الصمت البادي في أرجاء اللوحة .