|
|
شهدٌ على حدّ موس
حاتم محمد الصكر
* الاتحــاد
القصيدة كالحياة: شهْد على حدّ موس. هكذا كان الشاعر الراحل محمد الثبيتي يرى الكتابة الشعرية، مغامرةً يحفّ بجمالها الألم الذي يمثله الموس مقابل اللذة التي يمنحها الشهد، يتقابلان ليصنعا صورة حياته نفسها محفوفةً بمعاناة ليس المرض إلا الفصل الأخير منها، وربما كانت الهوة بين الوعي والواقع في انفصالهما وتباعدهما وتناقضهما هي الكِسرة الأكثر تجسيدا لحالة الشهد والموس التي لخص بها الثبيتي رؤيته، ومثَّلها في شعره منذ دواوينه الأولى.
عرفت الثبيتي في لحظتين تمثلان قوسين يؤطّران صورته في الذاكرة: شروقه الشعري ببغداد عام 1984 من خلال مهرجان شعري كبير كان حضوره وزملاؤه ـ أذكر منهم الصيخان والحربي والعمري ـ المفاجأة الكبرى فيه، حيث مثلت الحداثة الشعرية في قصائدهم أفقا جديدا للتحديث في أرض تُحسب نمطيا قلعة للتقليد والجمود، وسارعتُ شخصيا لتقديمهم عبر نماذج من شعرهم عقب المهرجان مباشرة في ملف خاص بمجلة الأقلام التي كنت أعمل في إدارتها بعنوان القصيدة الجديدة في السعودية هو أول تعريف بهم خارج بلادهم.
ولكن هذا القوس التعارفي سينغلق برؤيته قبل حوالي عام في ملتقى شعري بصنعاء: كان المرض باديا على الشاعر وواضح أنه يعيش غروبا جسديا رغم توقد ذاكرته وبريق شعره الذي أخذ منحى تصوفيا يستلهم طقوس الروح التي تجد هناءها في ذرات الرمل وتضاعيف الصحراء حيث يعيش الشاعر وهو (مُزمَّلٌ فِي ثِيَابِ النُّورِ مُنْتَبِذٌ) كما يقول في “بوابة الريح” وكأنه يكمل دورة حياة شعره بدءا من الحلم الذي تهجاه وهما في ديوانه “تهجيت حلما.. تهجيت وهما” مرورا بتضاريس حياة شعرية معقدة لم تخلُ من صعاب يشخصها هو بانتزاع جرأته التي عرفها شعره الأول، لكنه ظل محافظا على حداثة وزنية خرجت شيئا فشيئا إلى إشراقية جوانية ومواقف ومخاطبات تبثها الروح في رحلة مضنية من وهج الوعي وعناء الإرادة، فتركزت أمثولة الشهد القاتل أو اللذة المشوبة بالألم في شعره، ليذكرنا بتلخيص ابن المقفع للحياة بصورة الهارب من فيل هائج محتميا بغصن شجرة يقرضها فئران، وتحت قدميه وهو معلق تنين وأربع أفاع فراح يتلهى بعسل كوارة على جدار البئر.
القاموسية التي تمثلها مفردة الشهد هي جزء من تماهٍ فذ عاشه الشاعر مع التراث ثأرا من واقع صادم؛ فكأنه ينشئ لزوميات معاصرة تتكئ على المجانسات والتوافقات اللفظية في ضرب من التهكم الحزين والمجسد في حديثه عن جمر القصيدة وخمرها، وغروب المنى واغتراب الشموس ومنايا (تدار) في الطرقات وكؤوس (تدور) في الشرفات.
حصان قديم عصي.. بدوي بين خطواته أحرف من رمال يحيطه حلم تهجاه وهماً، تلك صورة مقربة للثبيتي في شعره فكأنه يناجي نفسه بقوله: صاحبي ما الذي غيَّركْ/ ما الذي خدَّرَ الحُلْمَ فِي صحوِ عينيكَ/ مَنْ لفَّ حولَ حدائقِ روحكَ هذَا الشَّركْ؟