|
|
إمبراطورية الفساد
خيري منصــور
* دار الخليــج
ما إن يرفع غطاء عن مستنقع تراكم فيه عطن الفساد على صدأ السياسة، حتى تزكم الأنوف رائحة لا يمكن احتمالها، إلا لهؤلاء الذين تأقلموا معها وتراكمت أمامهم وبفضلهم . وما يقال عن الفساد حتى الآن هو مقاربات منقطعة لا تلتئم في أي سياق، لأنه عندما تحول من ظاهرة إلى نظام مضاد، أصبح إمبراطورية مترامية الأطراف، وتعددت رؤوسه، فهو يشمل كل تفاصيل النسيج، ولا تسلم منه الثقافة أو التعليم أو أي نشاط آخر يتوهم البعض أنه بعيد عن الاقتصاد .
والسؤال الذي يفرض نفسه في كل مناسبة تفوح فيها ومنها رائحة الفساد المتعدد الرؤوس والأبعاد هو كيف أتيح له أن يتفاقم ويبتكر من صميم فوضاه المدمّرة نظامه الخاص بحيث يصبح فساداً ذكياً، قادراً على المناورات والتضليل والتخفي تحت طاقيات ملونة؟
إن الفساد لا يتفاقم بفعل ذاتي، وهناك عاملان يسهمان في تحوله إلى وباء، الأول التعامي الرسمي عنه، خصوصاً عندما يكون هذا الفساد رسمياً، ومغطى بشرعية شكلية، والثاني هو تحوله إلى ثقافة، تبدأ بالهمس والدخول على استحياء، وبقدر من التستر من أبوابه، ثم يعلو الصوت ويصبح كل شيء متاحاً لغياب الكوابح، فمن كانوا يمارسون الفساد خلسة وبمهارة قادرة على إخفائه، لم يعودوا بحاجة إلى تبديد الوقت والجهد من أجل الإخفاء، فثمة ما يشبه الشرعية الثقافية التي تحوّل ما كان موضوعاً للاستهجان والاستنكار إلى أمر مألوف .
ومثلما تطورت النظم السياسية إلى دول ومن ثم إلى إمبراطوريات، تطور الفساد أيضاً، من حالات فردية وموضعية متباعدة إلى نسقٍ شامل، بحيث يصبح الوصول إلى الهدف من أقصر الطرق نموذجاً سائداً يقتفيه من أراد من دون أية مصدات ذاتية أو موضوعية .
والأمثلة على إمبراطوريات ودول عصف بها الفساد أكثر مما عصف بها الغزاة أو الأوبئة العضوية عديدة، وقد تنبّه الفلاحون بفطرتهم السّليمة إلى عدوى الفساد فعزلوا الثمر الفاسد والعطن عن الثمر الطازج والسليم، وهناك من يجرون مثل هذه التجارب أمام أبنائهم كي يقدموا لهم وسائل إيضاح حسية عن عدوى الفساد .
كأن يضعوا تفاحة عطنة بجوار عدد من التفاحات السليمة، ثم يكتفشون بعد أيام قليلة أن التفاح كله أصبح فاسداً، وهذا ما قاله ذات يوم الروائي الفرنسي فيكتور هوغو، عن سلّة البيض الفاسد، عندما طالب الناس بعدم التورط بالسلّة كلّها كي يتأكدوا من أن ما فيها كله قد فسد .
في عشرينات القرن الماضي ظهرت دعوات في المجتمع الرأسمالي والدول البيروقراطية تقول إن قليلاً من الفساد ضروري لتشحيم أو تزييت القرارات البيروقراطية البطيئة، ولم يفطن هؤلاء إلى أن ما أسكر كثيره فإن قليله حرام، وأن القليل من الفساد المسموح به سرعان ما ينتشر ويتحول إلى ظاهرة، وأخيراً يصبح وباء مستشرياً ما من سبيل للحدّ من عدد ضحاياه .
والفارق بين الفساد الموضعي والفساد الشامل الذي يبتكر نظامه المضاد، هو كالفارق بين الجريمة الفردية التي تنتج عن انفعال أو حاجة إلى السرقة أو من أجل الثأر، وبين الجريمة المنظمة، فهذه الأخيرة لها قوانينها المضادة، ولها ذكاؤها أيضاً، لهذا يتأخر وقد يتعذّر الكشف عنها، بعكس الجرائم الفردية العادية التي يندر أن تكون كاملة وتنسب إلى مجهول .
والأرجح أننا على موعد مع مُتتالية من كشف الأغطية الفولاذية عن المستنقعات، فالفساد الآن إمبراطوري لكن عمره لن يزيد على أعمار إمبراطورية بائدة .