اعذرينـــا
مارليـــن سلــــوم
* دار الخليــــج
اعذرينا إن كنا تجاهلناك يوماً .
اعذرينا لأننا حسبنا أن حاضرك يقضي على ماضيك، وأن تاريخك بكل أمجاده وثوراته لملم أوراقه ودخل المتحف ليرتاح إلى الأبد .
اعذرينا لأننا لم نر فيك مستقبلاً مشرقاً، فالزمن الجميل انتهى والعباقرة ماتوا .
اعذرينا لأننا لم نفهمك ولم نمعن النظر في أحيائك وبيوتك .
حسبناك اليوم مدينة “الأفواه والأرانب”، وحسبنا أن الجوع أكل من أحشائك فصغرت في عينيك الدنيا واستسلمت للانكسار .
حسبنا أن العروق جفت والأرض يبست من كثرة الجفاء ولم يعد فيك من يرويها بالدماء .
لم نفهم أنك تخبئين في حقول القمح والقطن والأرز معاول تهد الجبال، وأن أطفالك رجال .
لم نفهم أن أولادك وبناتك يخططون لا يلعبون، وأنهم يعيدون كتابة تاريخك وحاضرك ومستقبلك من جديد ولا “يدونون” قصائد حب ونزوات .
لم ننتبه أن ثوار 25 يناير يعزفون خلف الكمبيوتر لحن الحرية .
اعذرينا لأننا لم نفهم أن ماضيك وحاضرك سيّان، وأن شعبك مازال قادراً على الإبهار .
لذا من حقك علينا أن نعيد ترتيب الأوراق، وأن تمتد كل الأيادي التي صفقت لثوارك وشهدائك طوال ال 18 يوماً، لتسهم في بنائك .
ثوار 25 يناير وضعوا اللبنة الأولى لمصر الغد . كانوا قلة انضمت إليهم الملايين في الشوارع وتضامن معهم الملايين في العالم، فلم لا يتواصل التضامن بشكل فعلي كي تجني مصر ثمار الثورة؟
كل الشعوب العربية فخورة بما حققه الشعب المصري، والكل بارك وهنأ . لكن كفى تصفيقاً، لأن النجاح لا يتوقف عند عتبة النهضة لينام من جديد، والمرحلة الآتية لا تقل خطورة عما مضى، وتكاد تكون بنفس أهمية أيام الغضب في تحديد مصير الوطن .
انتهى وقت التنظير والتحليل، وانتهى أيضاً وقت المحاسبة على الشاشة وفي الشوارع ولنكتفي بالقضاء، فكثرة الكلام تؤجج النار في النفوس وتسبب احتقانات لم نشهدها أيام الثورة .
يكفي أن الجميع اكتفى بالكلام عن الفساد والاشمئزاز من الحال التي آلت إليها مصر من دون أن يتحرك، في حين جاء الشباب ليفعلوا قبل أن يتكلموا .
تعلمنا منهم دروساً كثيرة، ومازالوا يبهروننا بمدى وعيهم وأبعاد أفكارهم . ورغم الانتصار، إلا أنهم مازالوا ناشطين على الفيسبوك والإنترنت، يعلقون على الأحداث، يتناقشون ويدعون الناس لمشاركتهم أفكارهم .
عبر الفيسبوك يستكملون مسار الثورة، يدعون إلى حملة تنظيف الشوارع، وما أجملها صورة حين تحولوا من ثوار وطلبة جامعيين وأطباء ومهندسين وعمال وموظفين، إلى عمال نظافة، وبأيديهم يطلون الأرصفة بألوان العلم المصري .
بعد الشوارع، يسعون إلى تنظيف العقول من رواسب النظام الفائت الذي أنشأ الناس على الخوف والكسل واستسهال الرشوة . الحملات الإلكترونية مكثفة تدعو المصريين إلى المساهمة من الداخل والخارج في تنمية الوطن اقتصادياً وفكرياً .
أما “أحباء مصر” فلهم دور أيضاً في نهضتها، وأبسط الإيمان أن نجعلها وجهتنا السياحية في كل المواسم، ونضع وردة في ميدان الشهداء .