|
|
غربان ضلّت النعيق
خيري منصور
*دار الخليــج
يقال إن الغراب يخطئ أحياناً، لأنه يرى بعينيه على جانبي رأسه ما هو قيد الإنشاء والتأسيس كما لو أنه أطلال بناء تهدم، وهذا هو الخطأ ذاته الذي ترتكبه العين الكليلة عندما لا تفرق بين الشفق والغسق، فثمة تشابه في المشهدين رغم أنهما شروق وغروب .
نضطر أحياناً إلى مثل هذه المجازات كي ننأى عن التجريد ولعبة الشطرنج اللفظية، فثمة فقهاء استراتيجيون تنافسوا مراراً على نيل شرف الريادة في توقع الهزائم، ثم تنافسوا بدرجة أشد على الفوز بجائزة زرقاء اليمامة لأنهم رأوا المستقبل قبل سواهم .
ما من مناسبة، سواء كانت حرباً مع عدو أو انفجاراً محلياً من أجل التغيير، إلا ويقترن بها عدد من هؤلاء الفقهاء أو فلاسفة ربع الساعة الأخير، وهم المرادف الشرقي لما يسميه الغربيون فلاسفة يوم الأحد، أي العطلة الأسبوعية في تلك البلدان .
كيف يمكن لمن وضعوا الهريّ الغليظة في عجلات التغيير وعرباته العاطلة، أن يزعموا الآن بأنهم قرعوا الأجراس وحذروا ودفعوا الثمن؟
هؤلاء وثنيون في السياسة، يصنعون الديكتاتور من بلاغة جوفاء لا من تمر، ثم يسارعون إلى التهامه بدءاً من القدمين .
إن الصادقين على الدوام هم الأكثر صمتاً وخجلاً واحترازاً من المزاعم بالبطولات والاستباق في الرؤى، وهؤلاء سلالة بحاجة إلى من يذكر الناس بها، لأنها تعفّ عن هذه المهمة الشاقة .
وأول ما يفاجئ الناس عند حدوث زلازل وأعاصير سياسية غير متوقعة بهذه السرعة، هو من يخرجون من الكهوف والجحور التي كانوا يلوذون بها، كي يقولوا لهم أين حصتنا في هذا التغيير فنحن الذين صنعناه ولولانا ما حدث؟
لنعد إلى الوراء عقوداً هي دقائق بمقياس التاريخ وتقاويمه، ونتذكر من هللوا للسد العالي والتأميم وكل ما كان يشغل الناس ويملأ الدنيا في خمسينات القرن الماضي، وكيف غسلوا أيديهم وأقلامهم من كل ما كتبوا عندما رحل عبدالناصر، ومنهم أدباء بارزون أصدر أحدهم كتاباً يندرج في باب التوبة السياسية عن عودة الوعي .
حتى مصانع الحديد والصلب ومنجزات القطاع العام كان أول من سخر منها وهجاها سياسياً واقتصادياً، أناس دبّجوا فيها القصائد وسبّحوا بحمد من كان يقوم بها .
قدرنا على ما يبدو هو التورط في كل زمان ومكان بهذه السلالة العصية على الانقراض، لأنها شديدة المهارة في التأقلم وتلبس لكل حالة لبوسها .
غربان تنعق فوق الأطلال ثم تخذلها عيونها المتباعدة على جانبي الرأس، فتنعق أيضاً فوق أسس وصروح قيد التشييد، لأن التشابه بين الطلل وبداية المشروع هو النقصان الذي يقترن بكليهما، رغم أن نقصان الطلل الذي قضمه الزمن أبدي، يعكس ذلك النقصان الذي يعلو حجراً فوق حجر وجداراً فوق جدار في كل صباح .
والذين عرفوا الإنسان بأنه حيوان خجول، ورأوا في هذه الصفة امتيازاً يفوق النطق والضحك، وهما ما كان يعرف بهما الآدمي، لا بد أنهم استشعروا عن بعد هذا الزمن الذي أصبح الخجل فيه عملة نادرة، فمن احترفوا التزوير والتأقلم الحربائي في كل العهود، لا يصعد الدم إلى خدودهم كي يكون علامة خجل، فهم مصابون بأنيميا أخلاقية أسوأ ألف مرة من أنيميا الدم .
عزاؤنا الآن هو أن هذه الشعوب التي لدغت مراراً من الجحور ذاتها تحصّنت بالوعي المفارق لكل ما هو سائد ومقرر ضد النعيق، ولا نظن أن من اهتدوا إلى ينابيع النور سوف يغرقون في عتمة التاريخ مرة أخرى .