أفــراح مؤجلـــة

حســام ميــرو

* دار الخليــج






بانتظار الغد هناك الكثير من الأفراح المؤجلة، والكثير من الماء الذي يسكن الغيم، والغد ليس سراباً، وليس زمناً يقاس بالساعة الأوتوماتيكية أو الرملية، إنه اشتياق يختمر مثل عجينة الخبز، وهو أيضاً الرغيف الطازج عند الصباح التالي .

العرب في جعبتهم، أفراداً وشعوباً، أفراح مؤجلة لا يمكن إحصاؤها، وهي مؤجلة منذ أن تكلس زمنهم أو تخشب، لكن مآل الكلسِ إلى التفتت، ومآل الخشب اليابس إلى عرس النار، ومآل الفرح إلى الشهيق، ومآل العرب أن يشهقوا ويشهقوا ويشهقوا، ففي كل شهقة ما يتجاوز الدلائل الفيزيائية للحياة إلى الدهشة والفرح، إلى النهر الذي يجعل الحياة جديدة أبداً .

في كل قصيدة ملامح فرح مؤجل، وهي ملامح معظمها مشوبة بالحزن، فالفرح المؤجل حزين دائماً، لكنه فرح عظيم، كذلك أفراح العرب مشوبة بالحزن، ومشوبة بالانتظار، ولكنها مثل قصيدة طويلة وملحمية لا يأتي فيها الفرح إلا بعد مخاض، ومخاض يبدو عسيراً، لكنه يأتي، فالملحمة تعد بالولادات الدائمة، لأنها ببساطة تكون قد شبعت بالموت، وبأسبابه، وبروائحه، وجثثه، وكوابيسه، ولم يعد فيها من متسع لموت جديد .

في السرديات العربية وخصوصاً الروائية الحديثة هناك الكثير من الإشارات إلى ما يعج به الواقع من أفراح مؤجلة، وهي أفراح تتعلق بأشياء قد تكون متناهية الصغر إذا ما قيست بالقضايا الكبيرة، لكنها أفراح مشروعة، لأنها ببساطة متناهية تتعلق بالإنسان الصغير، والإنسان الصغير هنا استعارة من أحد كتب الألماني “ويلهام رايش” بالعنوان نفسه، وهو يتحدث فيه عن الإنسان المهمش، وهذا الإنسان الذي راح يكتسب في الرواية العربية المعاصرة اهتماماً خاصاً هو إنسان يحلم بأمور عادية جداً مثل أن يجد عملاً، وأن يجد نصفه الآخر، وأن يجد له مسكناً له سقف في آخر النهار، وأن يحظى بفرصة في العلاج حين يمرض، وأن يموت بشيء من الكرامة، ولكن كل تلك الأمور العادية تصبح في الواقع العربي أحلاماً، وتصبح في مخيلة الإنسان الصغير باعثاً على حزن مقيم، وإشارة إلى فرح مؤجل .

أيضاً، في بعض اللقاءات الصحافية أو المقالات الخاصة بالشاعر الراحل محمود درويش لم ينس أن يتحدث عن حاجة الفلسطيني إلى الحياة العادية، وإلى حب لا يكون محملاً بقضية كبرى، حب عادي تماماً، وإلى حاجة الفلسطيني إلى بناء عائلة من دون أن تكون حياة أفرادها مرهونة مسبقاً بالموت أو الثورة أو المنفى، وإنما حياة عادية فيها حب وخلاف وزواج وطلاق وغيرها من شؤون الحياة، ما يعني تماماً أن يكون للإنسان الفلسطيني أحزانه الصغيرة، وأفراحه المعاشة أو المؤجلة بعيداً عن حالة تاريخية استثنائية .

المشهد العربي اليوم تتفتح فيه آلاف الأفراح المؤجلة، وهو يستعيد قصائد وأغنيات لم نسمعها منذ زمن، وكنا قد ظننا أننا نسيناها، وأن الأجيال الحالية أو القادمة لن تسمعها أبداً، لكن الواقع الذي يحمل دائما طابع المفاجأة أعاد إلينا الأمل بأن تكون الكثير من أفراحنا المؤجلة على بعد ياسمينة منا .