النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: مفاهيم لا تقبل الترجمة - خيري منصور

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    مفاهيم لا تقبل الترجمة - خيري منصور

     

    مفاهيم لا تقبل الترجمة

    خيري منصور

    *دار الخليــج





    عندما فاز اليميني الفرنسي المعروف بنزعته العرقية والاقصائية “لوبان” بما يقارب العشرين في المئة من أصوات الفرنسيين، سمعت من مهندس معماري فرنسي عاش فترة من عمره في بيروت، أن هذه النسبة ليست قليلة، وإذا كان عشرون في المئة من الفرنسيين يفكرون بطريقة لوبان فإن البلاد في خطر، وأضاف أن النسبة التقليدية التي يظفر بها أمثال لوبان يجب أن لا تتخطى الثلاثة في المئة، وهي نسبة الشواذ كما تحدث عنها جان بول سارتر في كتابه “جمهورية الصمت” .

    وبالمقابل، عندما فاز الجنرال ديغول بآخر انتخابات رئاسية خاضها بخمس وخمسين في المئة من الأصوات، قرر الاعتزال، لأن فهمه للأغلبية يتخطى هذه النسب، فهو يرى نفسه بطلاً قومياً اقترن اسمه بتحرير فرنسا من الاحتلال النازي في أربعينات القرن الماضي .

    إذن، هناك فهم نسبي ومغاير لما هو أغلبية أو أقلية لدى بعض الشعوب، فالأغلبية التي فاز بها ديغول كانت بالنسبة إليه أقلية، بعكس ما حدث بالنسبة للوبان الذي رأى اليسار الفرنسي أن الأقلية العددية التي ظفر بها هي أكثرية بمقياس ثقافي وفكري .

    إن مثل هذه المفاهيم تبقى عصية على الترجمة حتى لو وجدت من يصبها في عبارات وجمل، لأن المفهوم لا يترجم، وهذا ما حدث عندما ترجم المصطلحان الإغريقيان الشهيران وهما التراجيديا والكوميديا إلى رثاء وهجاء .

    والمسألة على ما يبدو وثيقة الصلة بالاستحقاقات كما يشعر بها الأفراد، حتى هؤلاء الذين يحلمون بقيادة بلدانهم . فما شعر به الجنرال ديغول من استحقاقات وطنية وتاريخية ليس ما شعر به ساركوزي مثلاً، وهو الأمر الذي ينطبق بدرجة أو بأخرى على الفارق بين الاستحقاقات لدى ونستون تشرتشل وتوني بلير أو روزفلت وبوش الأب والابن معاً . لقد قيل مراراً إن الديمقراطية شر لا بد منه، والعبارة مستعارة من الخطيب الروماني شيشرون وإن كان شيشرون قد نسبها إلى الزواج .

    ونذكر مثلاً أن جان جاك روسو صاحب “العقد الاجتماعي” وأحد المفكرين الذين مهدوا لانقلاب كوبرنيكي في فرنسا كان يقول إن للديمقراطية عرضاً جانبياً يشبه أعراض بعض الأدوية .

    فالناخب يتغرب عن صوته وبالتالي عن نفسه بضع سنوات، لكن ما يجعل هذا العرض الجانبي قليل الأهمية هو إمكانية التدارك في الانتخابات القادمة .

    هل نضيف أن معظم الأطروحات المتداولة في عالمنا العربي عن الديمقراطية مترجمة؟ وأحياناً بتصرف أو تحوير يليق بما نحن عليه؟ وما كتب عن الديمقراطية وحولها في عالمنا العربي يتجاوز آلاف الأطنان من الورق . وسحابات لا آخر لها من زفير الفضائيات والأثير، لكن الكتابة عن أية ظاهرة ليست كالكتابة “منها” فنحن نادراً ما كتبنا عن الديمقراطية، ومن عمق تجاربنا مع شجونها، حتى هؤلاء الذين قالوا في مناسبات تخصهم لا تخص الديمقراطية إن للديمقراطية أنياباً كانوا يعلنون شيئاً ما لاخفاء شيء أعظم . فالديمقراطية حراك سياقي، ومجرى عام، فهي لا تقبل الانتقاء والحذف والإضافة كي تتأقلم مع هذا النظام أو ذاك، وحين عوملت على هذا النحو انتهى بها الأمر إلى ما انتهى إليه ضحايا قاطع الطريق الإغريقي بروكوست الذي كان يمط سيقان ضحاياه أو يبترها تبعاً لطول السرير الذي يمددهم عليه .

    إن الأغلبية تصبح أقلية بمقياس غير ديمغرافي أو عددي حسب ما رأى الجنرال ديغول، كما أن الأقلية تتحول إلى ظاهرة تتجاوز الرقم والعدد إلى المفاهيم كما حدث بالنسبة إلى لوبان، وللأسف الشديد فإن هناك مفاهيم لا تقبل الترجمة .
    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 21 - 2 - 2011 الساعة 08:39 AM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •